الساحات الاردنيه

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


منتديات الساحات الاردنيه يبحث شؤون الاردن الاقتصاديه والاجتماعيه والتاريخيه والرياضيه والفنيه والتراث
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دابوقدابوق  بحـثبحـث  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  
اللهم حرم وجه من يقرأ هذه الرسالة عن النار واسكنه الفردوس الأعلى بغي حسابوردر
سبحان الله والحمد لله ولااله الا الله والله اكبرورد
أهلا وسهلا بكم في منتديات ساحات دابوقورد ونتمى لكم قضاء اسعد الاوقات معنا   ورد  ونعلمكم ان جميع المواضيع التي في المنتدى لا تعبر عن وجهه نظر ادارة المنتدى ومشرفيها بل تعبر فقط عن وجهه نظر كاتبه  ورد       
      
                                    
قال تعالى ( وان ليس للانسان الا ماسعى) صدق الله العظيمورد

الصادق سابق والصابر لاحق والغافل غارق ورد

سعة الفكر تزيد في الايمان ، وذكر النعم تزيد في المحبة ورد

صفات القلوب في الدنيا ، لباس الاجساد يوم القيامة ورد

من جلب لنفسه الاعذار فقد ظلمها ورد

لا تقطع حبل رجاءك من الله ولو بعمل صالح تعمله ورد

حقيقة التقوى ان لاتعص الله في الخلوه ورد

الرضا راحة للقلب والقناعة راحة للنفس وهما اصل السعادة ورد

في الاخرة عقبة شديدة لايتجاوزها الا المخلصون!ورد

ذا نافسك الناس على الدنيا فاتركها لهم واذا نافسوك على الاخرة فامض معهم ورد

اختر من الاصحاب الاخيار في الدنيا من تود مجاورتهم في الجنة ورد

اول الغيث قطرة ، واول البكاء عبرة،واول السير خطوة ورد

مااخذ من غير حله ، وضع في غير محله ورد

اذا تعسر امر فلا تيأس ، فالمعارك تنجب الاقوياء ورد

ارغب في صغائر الخيرات فانها تعظم عليها الحسرات ورد

قلة مع اتقان خير من كثرة مع نسيانورد

كل درهم تنفقه في معصية الله فانت بذلك: خائن وجاحد ومسرفورد

القرب على قدر المحبة ، والاثر على قدر التعظيمورد


 

التقوى خير زادك ، وحسن الخلق راس مالكورد

من علامات المحبة: كثرة ذكر المحبوبورد

 مكانتك عند النبي على قدر مكانته عندك صلى الله عليه واله وسلمورد

لباس التقوى تقوى القلوب ، وتقوى القلوب تعظيم شعائر اللهورد

اذا رايت عيبا من احد : فاستره واحسن الظن به وانصحهورد

من رضي بالدون فهو تحت التراب مدفونورد

من رضي بالغفله لم تنفعه المهلهورد


من فكر بالتوبة قبل الذنب وقع فيه ثم لا يتوبورد

 

 

طلب الارداة قبل تحقيق التوبة غفلةورد

رحمك الله  يا  ابا ليث واسكنك فسيح جناته
كل الاخوه الزوار نرجو منكم التسجيل والمشاركه بكل ما تبونه وما هو مفيد في اي منتدى من المنتديات التي تناسبكم ويا ريت كل واحد فيكم يكتب عن مدينته او قريته ولق انشئنا منتدى خاص في الساحات الاردنيه اسمه المدن والقرى الاردنيه مع تحياتنا لكم الاداره
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» القدم السكري
الإثنين ديسمبر 05, 2011 9:03 am من طرف hishamalbetar

» الام في البطن واسهال بعد الاكل مباشرة
الأربعاء أغسطس 10, 2011 2:01 am من طرف حسن حسون

» اضرار الانترنت
الأربعاء يوليو 13, 2011 3:14 am من طرف مخاوي الذيب

» اسماء بنات 2011
الأربعاء يوليو 13, 2011 2:46 am من طرف مخاوي الذيب

» ضربة بالراس
الخميس يوليو 07, 2011 11:28 pm من طرف زائر

» عمل جزئي
الخميس يونيو 30, 2011 12:43 am من طرف زائر

» المناصير أغنى الأثرياء الجدد على قائمة فوربس
الإثنين أبريل 04, 2011 2:17 am من طرف البدوي المتلثم

» بالصورة وعلى دوار الرئاسة اعتصام .. نعم للفساد .. لاللاصلاح !
الإثنين أبريل 04, 2011 2:12 am من طرف البدوي المتلثم

» البرادعي : سنعلن الحرب على إسرائيل إذا هاجمت غزة
السبت أبريل 02, 2011 5:27 am من طرف البدوي المتلثم

» نصيب عائلة مبارك من تصدير الغاز لإسرائيل في مأمن
الجمعة أبريل 01, 2011 10:47 pm من طرف البدوي المتلثم

» زاهية دهار من "مرافقة رجال" إلى سيدة أعمال ناجحة
الجمعة أبريل 01, 2011 10:45 pm من طرف البدوي المتلثم

» فساد سعيد بوتفليقة يهدد حكم أخيه
الجمعة أبريل 01, 2011 10:41 pm من طرف البدوي المتلثم

» الفيس بوك.. وغضب والزوجات!!
الخميس مارس 31, 2011 6:01 pm من طرف البدوي المتلثم

» سيدة سوريه تهاجم سيارة الأسد عقب مغادرته مجلس النواب(فيديو)
الخميس مارس 31, 2011 5:19 pm من طرف البدوي المتلثم

» جريدة الأهرام المصرية تنشر رسمًا يسىء للقرآن
الخميس مارس 31, 2011 5:15 pm من طرف البدوي المتلثم

» زلزال في المغرب بسبب ظهور شقيقة الملك شبه عارية
الأربعاء مارس 30, 2011 2:07 am من طرف البدوي المتلثم

» مصادر سياسيه تنفي لسرايا قرار منع المسيرات المؤيده للملك
الأربعاء مارس 30, 2011 2:05 am من طرف البدوي المتلثم

» الحسبان: ضبط موظفين في وزارة الصحة يتقاضون رواتب من دون عمل
الأربعاء مارس 30, 2011 2:02 am من طرف البدوي المتلثم

» موقع اللجنة المركزية للمتقاعدين العسكريين يتعرض للقرصنة
الأربعاء مارس 30, 2011 2:01 am من طرف البدوي المتلثم

» المذيع عدنان الزعبي مديرا عاما للتلفزيون الاردني
الأربعاء مارس 30, 2011 1:59 am من طرف البدوي المتلثم

» وطن يستغيث
الأربعاء مارس 30, 2011 1:58 am من طرف البدوي المتلثم

» عبيدات وشبيلات وشخصيات وطنية تؤكد: الأمن الوطني لا يتحقق باستخدام العصا الغليظة
الأربعاء مارس 30, 2011 1:54 am من طرف البدوي المتلثم

» استنادا لقرار سوري بمنع دخول زيوت المحركات إلى العراق وتركيا عبر سوريا سوريا تمنع دخول بضاعة أردنية مصدرة إلى لبنان بالترانزيت خسائر فادحة تتكبدها الشركة الأردنية المصدرة والشاحنات على الحدود منذ ٨ أي
الإثنين مارس 28, 2011 8:20 pm من طرف البدوي المتلثم

» ياإخواننا في الكويت لاتتهاونوا، ياأبناء عائشة وعلي وفاطمة الأمر جلل فخذوا حذركم، إنهم مجوس أنجاس
الإثنين مارس 28, 2011 5:33 pm من طرف البدوي المتلثم

» خمسون مليار دلار !!! لك الله يا شعب اليمن
الإثنين مارس 28, 2011 5:29 pm من طرف البدوي المتلثم

» وثيقة حقوق المواطن /الاردنية 2011 ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:22 pm من طرف البدوي المتلثم

» شاهدوا مقابلة الامير الحسن : الملك يحترم الدستور ويطالب بجمع الصفوف ويدعو للاصلاح
الإثنين مارس 28, 2011 5:17 pm من طرف البدوي المتلثم

» عمرو موسى ينفي وصفه القذافي بـ(الحمار)
الإثنين مارس 28, 2011 5:09 pm من طرف البدوي المتلثم

» رئيس الوزراء الاسبق احمد عبيدات : رياح التغيير بدأت تهب على وطننا ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:04 pm من طرف البدوي المتلثم

» من قلم : خالد حسن,,,,,فتاة إسمها ياسمين
الأحد مارس 27, 2011 7:29 pm من طرف البدوي المتلثم

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 73 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hishamalbetar فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 1882 مساهمة في هذا المنتدى في 1852 موضوع
سحابة الكلمات الدلالية
عرين الدم العالم نهيان تزيد ملكة وشلال المنهمر الكرك التي مدينة علاج اربد الذهب سلطان الشيخ مناسف جمال نزول اسماء العدوان ماجد القاضي صويلح الاردن المدارس

شاطر | 
 

 مجموعة قصص مجلة البيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوطواط



عدد المساهمات : 73
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/03/2010

مُساهمةموضوع: مجموعة قصص مجلة البيان   الجمعة مارس 26, 2010 4:28 am

قهوة أبي صالح


د . مصطفى السيد

-1-
... لم يكن حبهم " لقهوة أبي صالح " وتعلقهم بها صورة من صور الهيام
بالتاريخ التي ألفها العربي ، واعتاد الهجرة إلى أيامه الماضية ، لاسيما في هذه
الفترة التي سكنت فيها النفوس بالقحط والإملاق ، واستعمرها القلق ، بل ربما كان
هناك دافع أعمق من ذلك .
لقد كانت " قهوة أبي صالح " أشبه بالمصحات النفسية التي يشعر المختلف
إليها بجواذب عميقة تشده نحوها ، كما يخرج المنقلب عنها بغير قليل من العافية ،
وبقطرات من التفاؤل . مشرعة الأبواب كحدود المسلمين في وجه العلوج ، تسير
بضع خطوات لتبلغ صحنها ، ولكنك تشعر بأنك تعبر بكل خطوة قرنًا من القرون
الخوالي ! ! ! وما إن تجد نفسك مستقرًا في وسطها حتى تصافح بصرك جُدُر سود
كأنها قطعة من ليل بهيم تخلف في هذا المكان ، وفي صدر المجلس كان - أبو
صالح - كثريًا من الكريستال يغمر المكان نورًا بوجهه الآتي من القرن الحادي
عشر الهجري يقلب بصره في وجوه الحاضرين بابتسامة صادقة يحاول كل من في
المجلس أن يختزنها ، وكم يود لو حولت إلى فتات من المسك ليودعها خزائن
الذاكرة ، ومخازن الأفئدة . وعلى يساره انتصبت خزانة ذات رفوف - أعتقد أن
القرية كلها خلت من نظير لها ، إلا ما استقر في أذهان الشيبان عن أثاث المجالس
القديمة - ثبتت هذه الخزانة في الجدار ، مزدانة بدلال القهوة مرصعة بأباريق
الشاي ، وفي سفح هذه الخزانة كان أبو صالح يستقر مسندًا ظهره إلى جدار توارى
خلفه مستودع (الحطب) وبحركات لتكرارها باتت كأنها آلية (يشب الضو) وهو في
الشتاء مدفأة للجسوم وفي (القيظ) مدفأة للنفوس . ثم يشرع في تنضيد الفناجين
والكؤوس محدثة نغمة موسيقية تشد الحاضرين إلى المجلس ، وتنتزع منهم آخر
اهتماماتهم بما هو خارج المجلس ، ولا يقطع الصمت إلا كلام (أبي صالح) مرحبًا
بالحضور ، متابعًا الأباريق التي تصطلي حر النار دون أن يغفل عن تعليق ينطق
الصمت ، ويسيل بحر الكلام .
-2-
وينصب الزوار في مجلس أبي صالح ، على اختلاف طبقاتهم وتشعب
همومهم الدينية والدنيوية والفكرية . كبار موظفي الدولة ، مدرسو الجامعات ،
التجار ، الفراشون ، الكل يخلعون جميع ألقابهم ومكاناتهم الاجتماعية ليستقروا في
هذا المطهر الروحي الذي يشعرون فيه بالتخلص من أدران الترف ، ومستلزمات
الحضارة الطارئة .
وفي فترات اللقاء المتواصلة الحوار ، والمستمرة النقاش يتوحد الجميع في
المناقشة ، وكثيرًا ما يصغي حملة الدكتوراه - باهتمام صادق - إلى ملاحظة لأحد
الفراشين بتمعن وتروٍ . وهكذا ظلت (قهوة أبي صالح) المنزل الوحيد الذي يجسد
الماضي حجرًا وبشرًا وقبل ذلك فكرًا .
-3-
كان للطعام لذة لا يجدها أحدنا الآن كما كان لكل المتع نكهتها المميزة ؛ هل
كان السبب في ذلك قلتها ؟ أم لأنها كانت لا تحصل إلا عبر جسر من المتاعب ،
فتختلط لذة الطعم بنشوة النصر ، على أرض شرسة مسِّيْكَةٍ ، يتابع أبو صالح حديثه
قائلاً :
لقد بات الإنسان عبداً للمعارض على اختلاف أنواعها ، معارض السيارات
ومعارض الأثاث والأطعمة الدسمة ، والثياب المتأنقة ، ... الخ ، ولكن متابعة
الجديد في هذه الميادين لم تشبع الشهوات التي تستبد بالنفوس . بالله عليكم يا جماعة
الخير - تابع أبو صالح حديثه وهو يجمع بين الحديث ومناولة الضيوف فناجين
القهوة - أليس هذا السعار الدنيوي الاستهلاكي خطر على دنيانا قبل آخرتنا ؟ وعلى
رجولتنا قبل قلوبنا ؟ إنه تدمير لحصون المناعة في النفوس ، وغذاء للاسترخاء
والتراخي ، بل إنه عبادة للدنيا ] مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ
أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وحَبِطَ
مَا صَنَعُوا فِيهَا وبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ لصمت ثم الاسترجاع والحوقلة سوى ما كان من
الشيخ (أبي سعد) رجل الأعمال الناجح والرحالة الذي لا يكاد يضع عصا التسيار ،
فقد أجاب أبا صالح قائلاً :
هون عليك يا أبا صالح ، ففي الحاضر من المشكلات والإشكالات ما يتعدى
البكاء على الأطلال ، إن العمل من قبلك على مد الجسور بين الجيلين - الشباب
والشيوخ - يحقق للإسلام مصلحة أكبر من نشوة النصر الآتية من نسف هذه
الجسور . لقد أتى على هذه الصحراء حين من الدهر لم تكن شيئًا مذكورًا ، ثم
أخذت الحياة تدب في أنحائها ، وأخذت الخضرة - إحدى ألوان الحضارة - تنعش
الصمت الرائن على قلبها ، وتبعثر السكونية الجاثمة على صدرها ؛ وهكذا امتد بنا
العمر حتى رأينا البحر الأخضر موازيًا للبحر الأحمر .
يا أبا صالح - ولا يهون الجماعة - لقد احتفظت هذه الصحراء بالكنوز التي
استؤمنت عليها ، ثم أدت الأمانة ؛ وما علينا إلا أن نعرف كيف نؤدي دورنا كما
أدت هذه الأرض دورها . مجلسك هذا في كثير من البلدان صار تابعًا لإحدى دوائر
مصلحة السياحة ، لأن الإنسان قد غدا إنسانًا آخر ، لم يبق من الماضي فيه شيء ،
سوى بقية دمع في موانىء العيون ، وعاطفة دينية تنبعث من رقدتها في بعض
المناسبات والمواسم فحسب ، انقطعت الصلة بين مؤسسات الماضي والحاضر . هذا
رائي ، ولا مانع أن نسمع رأي الأستاذ أمين ، فما أدري (إيش) رأي الأستاذ أمين
فما قلت ؟
- ما عقب كلامك يا أبا سعد .
- هذا تواضع منك يا أستاذ أمين فجهدك ملموس مع أولادنا ، بالمدرسة ،
والناس يسمونك قنطرة الجيلين ، والجسر الذي يعبر عليه الشيوخ إلى عالم الشباب، ويطل منه الشباب إلى عالم الشيوخ .
- لدي إضافة قصيرة لما قلته يا أبا سعد وهي :
إن التاريخ من خلال (قهوة أبي صالح) وأمثالها لم يدخل المتحف ، وهو بحد
ذاته مكسب عظيم ، والفضل في ذلك لله ثم لأمثال هذه القهوة ، لكنني أخشى أن
تتحول النظرة إلى تاريخنا العظيم إلى أنه مجرد تاريخ ماض لا مجال لاستئنافه ،
يوفر التفكه بهذا التاريخ مادة دسمة للزائرين يتحدثون فيها اغتيالاً للأوقات التي
أصبحت عبئاً اكثر منها ثروة .
صاح أبو صالح وقد علت وجهه ابتسامة رقيقة موجهاً حديثه للأستاذ أمين
وأبي سعد :
حدثوا الناس حديثًا تبلغه عقولهم .
أجابه الشيخ سعد :
يا أبا صالح حديثنا لم يتجاوز المدركات ، ولم يدخل منطقة الإعجاز ، كل
الذي أخشاه أن يصبح حضورنا في هذا العصر مظهريًا محضًا ، ففي مجلس يتردد
اسم ابن تيمية ما لا يحصى مرارًا ، وتتساقط كالسيل الأتي شهادات الثناء المرسلة
إليه ، وتتسابق دعوات الترحم عليه ، ولكن للأسف لم يتمكن ابن تيمية - عمليًا -
حتى الآن من تجاوز قهوتك إلا في حالات نادرة ..
إنني أخشى أن يقتصر دورنا وينحصر في (حراسة) ابن تيمية ، مجرد تصور
هذا الدور كارثة حقاً .
ابن تيمية مازال حيًا بالرغم من كل العواصف التي اجتهدت في نسخ اسمه
وطمس فكره من مدرسة المفكرين الكبار والمصلحين الأتقياء .
ولكن يا أبا صالح أخشى أن تسكرنا هذه الفكرة وتلقي في روعنا أن الإشارة
والمدح لهذا المفكر وذلك الفكر هما دورنا نحوه .
ثم التفت أبو سعد إلى الأستاذ أمين قائلاً :
أقرأ في وجهك كلامًا ، تفضل يا أستاذ أمين .
إن كلامك يا شيخ يذكرني بما كنت أراه صغيرًا في قريتي ، فقد كنت أرى
المصحف معلقًا في الجدار ، وقد أودع ثوبًا قشيبًا مطرزًا بقصب ، وربما ظل على
تلك الحال أيامًا وشهورًا طوالاً .
موقفنا من ابن تيمية - والحال هذه - يلتقي في النهاية مع موقف أعدائه منه ،
وهو أن تظل أفكاره تتنقل بين الأفواه والأسماع ، ومن رسالة ماجستير إلى رسالة
دكتوراه ، دون أن تتاح لها فرصة العمل ، وهنا يحضرني قول أحد شعراء الحداثة
المعاصرين ، في وصف مثل هذه الحالة :
الحياة تجف في عينيه ، إنسان يموت
والكتب والأفكار مازالت تسد جبالها وجه الطريق
لم يكن (محمد الباحث) معنياً بشيء من النقاش الدائر في (قهوة أبي صالح) إلا
من ناحية واحدة ، وربما ضاق ذرعًا به ، ولذلك ما أن أتم الأستاذ أمين حديثه حتى
قال بتغيظ لم يقو على إخفائه .
لا أدري هل أبقت تطورات الحياة مكانًا أو دورًا لابن تيمية وأمثاله ؟ ثم لماذا
ابن تيمية بالذات ؟ فأنا لا أسمع في هذا المجلس إلا اسمه ؛ ألا يوجد من مفكري
الإسلام ممن جاءوا بعده من يسد مسده ؟
- والله ما مثل ابن تيمية مع غيره من العلماء إلا كما قال أبو نواس :
متى تحطِّى إليه الرَّحل سالمة تستجمعي الخَلْق في تمثال إنسان
- إنها مبالغة يا أستاذ أمين .
- لا والله يا أبا سعد لقد شغل ابن تيمية عصره ، وكان حضوره لافتًا ، لأنه
لم يكن تكرارًا لغيره ، ولا مفكر أوراق (الكربون) الذي يواجه مشاكل عصره بعقول
غيره ، أو بأفكار (مبسترة) مسبقة الإعداد ، لقد كان غواصًا يعود باللآلئ بحاثة لا
يرتضي الحلول الملفقة ، وعلى المستوى الاجتماعي استأنف التواصل مع العامة -
بعد أن غاب ذلك التواصل أو كاد - إبان عصره ، حتى كانت العامة تعتقد أنه
إمامها وشيخها وأن همومها تقلقه وتشغله ، ودعاة الضلال أزعجهم ذلك لأنه اختطف
منهم السيطرة على مواقعهم التقليدية ، أما علماء عصره البارزون فلم ير المطالع
لسيرة حياته إلا تلك السيرة الطيبة التي كان يسيرها معهم ، وأخيرًا لا آخراً فبلاط
الحكم في دمشق والقاهرة لم يفتقده ، مكبلاً بالأصفاد تارة ، منذرًا ومحذرًا من أخطار
التتار والطابور الخامس تارة أخرى . إنه الحضور المتفاوت المكان المتكامل الدور..
- جزاك الله خيرا يا أستاذ أمين . إن حضور ابن تيمية هو الذي ذكرت ،
وحضورنا الآن حضور باهت ليس له قيمة ، لقد بات ابن تيمية ضميرنا الإسلامي ،
مبعث راحتنا ومصدر ألمنا في آن معًا .
-كيف ذلك يا أبا سعد ؟
نرتحل إلى فكره فنجد للحياة لذة غير التي اعتدناها في عالم الناس ، ونحاول
أن نبحر في سفائنه فتنتصب الأمواج عالية حتى تكاد تفقد الربابنة الرؤية ، وتنتزع
من الركاب الطمأنينة وذلك مصدر ألمنا .
أردنا أن نطلق ابن تيمية من سجن القلعة ، فدخلنا به سجن الغربة .
(طوبى للغرباء) أنهى أبو صالح الحديث بهذه الكلمة ، ثم قام الجميع لأداء
صلاة المغرب .
________________________

مجلة البيان
العدد 10
ولات حين مندم

عدنان بن سالم الفهد

.. قال الفتى الشامي : وقفت متقطع الفؤاد .. مقروح الكبد .. من هول
الفاجعة ! ! بالأمس كانت أمي .. واليوم أبي .. رحمة بي يا أرحم الراحمين .. إني
لأذكر ذلك الأمس حينما قفل في وجهي باب من أبواب الجنة بموت أمي .. وبكيت
ذلك اليوم وبكى كل نبض في قلبي حتى تقطعت أطنابه حرقة ومرارة .. وكلما
تذكرت قصة إياس القاضي - عندما ماتت أمه فبكى وأجاب عندما سأله السائل ما
أبكاك ؟ ! قال : ( كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما ) فتزداد حرقتي
ويزداد نحيبي .. وها هو الباب الثاني قد أقفل اليوم .. من يواسيني ؟ ؟ .. ومن
يدعو لي بالرضا ؟ ؟ .. رحمة الله عليك يا أمي .. كم قد تحملت من عذاب وألم ،
وكم كنت لا أعرف لك فضلاً ! ! .. رحمة الله عليك يا أبي .. وحمداً لك يا رب أن
لم تجعل أبواب رحمتك تقفل في وجهي ، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد
موتهما ... وإكرام صديقهما ، ومنه ما ورد عن ابن عمر : ( إن أبر البر صلة الولد
أهل ود أبيه ) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما ، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما ..
وإني أتوب إليك توبة نصوحًا عن ما مضى من عصياني وعقوقي .. ولكن ..
للتوبة شرط إرجاع الحق . ! ! أبي .. أمي .. ولكن يا رب .. يا للهول ! ! ..
ياللفجيعة ! ! .. أحقاً أني في حقيقة ؟ ؟ كيف أعتذر ؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا ؟ ! ! كيف أقابلهما ؟ ؟ .. كيف أرجع الحق . ؟ . كيف
يقبل قولي ؟ .. ولات حين مندم ! ! . أبي .. أمي ..
قال الفتى الشامي : فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي :
يا أسعد : إني أعلمك كلمات في المروءة .. قلت : نعم يا أبي ، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر .. قال : لا يا بني .. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد علمتك
إياها في صغرك .. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي كنت تقرأ لي
منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي - .. يا بني .. ( إن
للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر
.. وللخلق مروءته ، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض ) .. بني أما مروءة
النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين ، وترك ما يدنس ويشين ليصير
لها ملكة في جهره وعلانيته ) .
- قال الفتى الشامي . نعم يا أبي . نعم ، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني ..
- قال الفتى : قالت أمي مقاطعة . دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها ، فما كان للسانه حلاوة ولا لين ، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة ، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً . قال الفتى : حسبك
ياأماه .. حسبك .
- قال الفتى . فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي .. ونحبت
وبكيت .. وأمي تكمل : مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا ؟ ؟
- قال الفتى : وأين أنت يا أماه الآن ؟ ؟ ألست معي .. إني أعتذر إليك مما
بدر مني .
- قالت : دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد ] فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ [¡ ] وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ[ - قال الفتى : فشهقت .. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً .. رحماك ربي .. أرجوك يا أمي لا تكملي .. إني قد تبت الآن .. و .. سوف تصفحين عني .. لا لن أعود لمثل ذلك .
- قال أبي : وما ذلك يا أم أسعد ؟ !
- قالت أمي : أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلي لابنته .. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء ، أن رجلاً أتاه فقال : إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها ، فقال أبو
الدرداء : سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول . » الوالد أوسط أبواب
الجنة « .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه .. والله يا أبا أسعد ما أمرته
بطلاق وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة .. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا
لسامحته .. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود ..
- قال الفتى : نعم يا أمي إني أعلم ذلك .. ولكن لِمَ لَمْ تغفري لي وأنا في
الدنيا ؟ ؟ ..
قال الفتى : إني أعلم لم ذلك ! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها .
- قد أضعت الباب ( باب الجنة ) يا أسعد ..
- لا . لا يا أبي ما أضعته ..
- قال الفتى . قال أبي : أضعته يا أسعد .. أما أغضبتك في ذلك اليوم ..
فنظرت إلي شزراً ، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى : ] واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ ، قال عروة : إن أغضباك
فلا تنظر إليهما شزراً ..
وجهي ، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد موتهما ... وإكرام صديقهما ،
ومنه ما ورد عن ابن عمر : ( إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه ) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما ، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما .
وإني أتوب إليك توبة نصوحاً عن ما مضى من عصياني وعقوقي .. ولكن ..
للتوبة شرط إرجاع الحق .. ! ! أبي .. أمي .. ولكن يا رب .. يا للهول ! ! .. يا
للفجيعة ! ! .. أحقاً ؟ ني في حقيقة ؟ ؟ كيف أعتذر ؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا ؟ ! ! كيف أقابلهما ؟ ؟ .. كيف أرجع الحق .. كيف يقبل
قولي .. ولات حين مندم ! ! .. أبي .. ؟ مي ..
قال الفتى الشامي : فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي :
يا أسعد : إني أعلمك كلمات في المروءة .. قلت : نعم يا أبي ، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر .. قال : لا يا بني .. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد
علمتك إياها في صغرك .. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي
كنت تقرأ ؟ ي منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي - .. يا
بني .. ( إن للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر.. وللخلق مروءته ، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض).
بني ( أما مروءة النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين ، وترك
ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في جهره وعلانيته ) .
- قال الفتى الشامي . نعم يا أبي . نعم ، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني ..
- قال الفتى : قالت أمي مقاطعة . دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها ، فما كان للسانه حلاوة ولا لين ، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة ، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً .. (قال الفتى : حسبك
يا أماه .. حسبك .. ) .
- قال الفتى : فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي .. ونحبت
وبكيت .. وأمي تكمل : مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا ؟ ؟ .
- قال الفتى : وأين أنت يا أماه الآن ؟ ؟ ألست معي .. إني أعتذر إليك مما
بدر مني .
- قالت : دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد : ] فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
يَرَهُ (7) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ [ ] وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [ ...
- قال الفتى : فشهقت .. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً .. ؟
حماك ربي .. أرجوك يا أمي لا تكملي .. إني قد تبت الآن .. و.. سوف تصفحين
عني .. لا لن أعود لمثل ذلك .
- قال أبي : وما ذلك يا أم أسعد ؟ !
- قالت أمي : أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلى لابنته .. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء ، أن رجلاً أتاه فقال : إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها ، فقال أبو
الدرداء : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول . ( الوالد أوسط أبواب
الجنة ) .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه .. والله يا أبا أسعد ما أمرته بطلاق
وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة .. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا لسامحته
.. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود ..
- قال الفتى : نعم يا أمي إني أعلم ذلك .. ولكن لم لم تغفري لي وأنا في
الدنيا ..
قال الفتى : إني أعلم لم ذلك ! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها .
- قد أضعت الباب ( باب الجنة ) يا أسعد ..
- لا . لا يا أبي ما أضعته ..
- قال الفتى . قال أبى : أضعته يا أسعد .. أما أغضبتك في ذلك اليوم ..
فنظرت إلى شزراً ، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى ] واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ قال عروة : إن أغضباك فلا
تنظر إليهما شزراً ..
- قال الفتى : قلت : يا أبي .. ولكنك ظلمتني .. فقال لي أبي : وإن .. وإن
يا أسعد .. أما نقل لك البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس أنه قال : » ما من
مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين - يعني من الجنة -
وإن كان واحد فواحد ، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضي عنه ،
قيل : وإن ظلماه ؟ قال : وإن ظلماه . وربك يقول ] وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [ ثم .. أي ظلم هذا ؟ ! ! .. هل أمرتك بشر ؟ ؟ لا والله .. إن هي إلا أمور دنيا ..
ولتكن أموراً كنت تتعبد الله فيها ... ثق تماماً .. أنك أضعت الباب يا أسعد ..
- قال الفتى : فصرخت .. وما عساني أن أفعل وقد ماتا .. ؟ ! نعم .. لا
عذر ولا قبول .. وربي بالمرصاد .. ويلي ! ! ..
- قال الفتى : وسرت راجعاً بعد دفن أبي ومعي من الجموع الكثير .. وكنت
والله مرعوباً متفتت الأحشاء كسيفاً مطرقاً .. ما زال في فكري ذلك اليوم .. وتلك
الأيام التي كنت أرد على أمي أصواتاً أو أحتج على أبي مغاضباً وكإني سيد الدنيا ..
وفي تلك الأيام التي ما أرضى أن ترفع أمي طرفاً لزوجتي أو يحتج أبي على
تصرف لي مهما كان صغيراً .. في تلك الأيام كنت أعلم قوله تعالى : ] يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ .. وما أعي معنى لذلك
إلا اليوم .. وكم أبكيتها .. ولكني كنت أقرأ قول ابن عمر : بكاء الوالدين من
العقوق والكبائر .. وأقرأ قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟
ثلاثاً قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين وجلس وكان
متكئاً : ألا وقول الزور ، وما زال يكررها حتى قلت ليته سكت ) - قال الفتى :
وكم أبكيتك يا أمي .. وكم .. ويا ليتنى قد اعتذرت ، ما منعني إلا النسيان أو
الغضب ، و .. لست أدري .. ولكني سأستغفر ربي ما عشت وأتذكر الأثر دائماً :
لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك).. - قال الفتى : وخطرت لي أمي ..
بني أسعد .. إذا ألمت بك مصيبة فكيف تفعل ؟ ؟
- قلت : سأستغفر ربي .. قالت : أما لو كنت حية لهانت عليك . قال الفتى :
قلت كيف ذاك يا أماه ؟ ؟ قالت : روي عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال : إني
خطبت امرأة فأبت أن تنكحني ، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه فغرت عليها ،
فقتلتها ، فهل لي من توبة ؟ قال له : (هل أمك حية ؟ ) ، قال : لا ، قال : تب إلى
الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت ، فذهب .. يقول الراوي : فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه ؟ فقال : إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة ..
- قال الفتى الشامي : قلت : يا أماه والله لست أدري هل أضعت الجنة حقاً أم
ماذا .. ؟ ولكني حسبي بإني قد بررت ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ولا يكلف الله
نفساً إلا وسعها ..
- قال : قالت أمي : دونك وما رغبت فيه من زهد في الجنة ، وهل ظننت
أن سلعة الله تكون حسب الهوى ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :
»رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم
يدخل الجنة « .. دعك من هذا ، أما أحرقت قلبي وأنا حية ؟ .. أما أبكيتني طاعة
لشهواتك أو لنزعاتك أو لزوجتك أو لأمزجتك الخاصة في مواعيد إعداد الطعام أو
استقبال ضيف .. بني .. اسمع بني وأخبر من وراءك من الناس .. قال الفتى :
قلت هاتي يا أم .
- قالت : بني إن الطاعة التي يريدها الله ليست الطاعة التي على هواك متى
غضبت نفرت .. ومتى رضيت وأنست استرضيت .. فالأم لهجها الدائم ) قد
رضيت عليك يا بني ) . وما تظنها قائلة وقد فطر الله قلبها على حب الابن .. أما
ترى كم من أصدقائك من هجر وفجر فإذا رجع إلى أمه تبسمت وكأن لم يكن قد
حدث منه شيء .. وأنى لها أن تعتب على فلذة كبدها .. ولكن .. هل يرضي هذا
الله ؟ .. ثم إن كان ذلك فما معنى قوله تعالى : ] وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ
وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا
تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ، واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [ .. وهذا قضاء وحكم وجوب من رب العزة على عدم
التأفف وهو الأصغر .. وما علمت الأم تبالي بالتأفف ولكنه طاعة لله ، وتأدب معه ،
وقد قرن ذلك بالإخلاص له وعدم الشرك .. ومرة أخرى قرن فقال : ] واعْبُدُوا اللَّهَ
ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً [ .. إذا كان لك رغبات في الحب والكره ،
وذبذبات في الرأي فمتى كان لك أن تقيس الرضا بمعيارك وتظن أنه رضى للوالدين
فقد هلكت يا أسعد .. أما رأيت كيف يستذل الطائر وينكسر إذا خفض جناحه للنزول
فكذلك اخفض لهما جناح الذل من الرحمة .. وهذا ما فهمه ذلك السلف الصالح .. أما
سمعت عن ذلك الرجل الذي حمل أمه على عنقه حاجاً وكان يرتجز وهو يطوف
ويقول :
إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم التفت إلى ابن عمر وقال له : يا ابن عمر أتراني جازيتها ؟ قال : لا ولا
بطلقة واحدة من طلقاتها ، ولكن أحسنت ، والله يثيبك على القليل الكثير .
- قال الفتى : وأكملت أمي قائلة : إيه يا بني .. كم كنت أتمنى أن أراك
شاكراً لي قلباً وقالباً ، وكم كنت لا أراك إلا مرات قلائل ربما يمر اليوم واليومان
ولا أراك .. وقد شغلت بمعافسة زوجتك وأولادك .. وأحن أن تتمثل الطاعة الحقة
التي عرفها أبو هريرة رضي الله عنه عندما كان في بيت غير بيت أمه ، فإذا أراد
أن يخرج مر ببيت أمه ووقف على بابها فقال : السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله
وبركاته ، فتقول : وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته . فيقول : رحمك الله
كما ربيتني صغيراً ، فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيراً .. ثم إذا أراد أن يدخل
بيته صنع مثله ... بربك يا بني هل كنت تستطيع أن تتخلف عن زوجتك يوماً أو
يومين .. لا ..
- قال الفتى : قلت : ولكن يا أماه كانت سليطة اللسان لا تتركني .. أما أنت
فطيبة القلب ..
- قال الشامي : قالت : هو ذاك .. إنها سلعة الله .. ولكني لا أعلم ما يفعل
بي غداً حتى أصفح عنك أولاً .. فذلك اليوم الذي سنتقابل فيه هو اليوم الذي يفر فيه
المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه .. لكل منا شأن يغنيه .. وهو يوم لا
أعرف فيه إلا نفسى ! ! ..
- قال الشامي . فتأملت ما خطر لي وبكيت وأنا أقول :
فضيعتها لما أنست جهالة وطال عليَّ الأمر وهو قصير
فآهاً لذي عقل ويتبع الهوى وواهاً لأعمى القلب وهو بصير
ولكن هيهات .. ولات حين مندم ...
- قال الفتى : .. أما بعد .. فإني لا أعلم هل يقدر لي الله من الأعمال
الصالحات ما يؤهلني للتوفيق في الحياة والاستغفار عن ذنبي ، أم تراه يصيبني
بتفريطي في حقهما يوم كانا .. وكم رأيت من عبر ودولة الأيام على الناس .. فالله
منتقم ... والله بالمرصاد ..
.. فيا غافل .. وما زال والدك معك .. وما زالت أمك معك .. أما لك في
قصتي معتبر ؟ ! ! اسمع يا أخا الإسلام ، والله إني أخشى عليك وعلى أهلك
وأولادك الهلاك .. كن على حذر .. وتأمل معنى آية التأفف..] فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ [ وحسبي بها .. فرفع طرف الأم نحو السماء مصيب :
إذاالتفتت نحو السماء بطرفها كن حذراً من أن يصب قلبك السهم
وفي آية التأفيف للمرء مقنع ولكنه ما كل عبد له فهم
ودونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو إليه فقير
وطاعتها وبرها قولاً وعملاً ، لا قول لطيف .. وعمل هباء .. فالكلمات لا
تغني ولا تشبع من جوع . أما تعرف من هم أصحاب الأعراف ؟ .. جاء في بعض
التفاسير عنهم أنهم أقوام قتلوا في سبيل الله ولكنهم خرجوا بدون إذن آبائهم فكانوا
من أصحاب الأعراف .. ومن قال لك يا مسكين أنك ستموت شهيداً ؟ وقد خرجت
بطراً لمشاغل الدنيا .
- قال الفتى الشامي : يا أخا الإسلام .. لا تظن كما ظننت سابقاً أن طاعة
الآباء والأمهات حسب رغبتك وهواك ، وإنما هي حسب ما يرغبان هما .. وإلا
لهان الأمر ! !
- قال الفتى : كنت أظن أن أبي سيئ الطباع .. وأمي شرسة نمامة ، ولكني
أتأمل اليوم وأقول : إن ذلك الرجل الذي قد خلقه الله منبوذاً أو مكروهاً بين الناس
طوال حياته المديدة فكان يتألم ويحتقر .. قد ضمن له الله ألا يظلم .. ووعده بتاج
يناله حقاً وهو إذعان أولاده له إذا ما كبر ..
- قال الشامي : .. فبأي حق يا شامي قد انتزعت هذا الحق من أبيك ؟ .. إنه
والله الهوى وحب النفس .. ويلك يا شامي يوم تعرض الموازين القسط .
يا أخا الإسلام .. يا من رغبت بزوجتك وفرحت بها متجاهلاً أمك .. ويا من
رغبت بمالك وعيالك وأصدقائك عن أبيك .. تأمل معي كيف تكون الطاعة ..
أما تذكر قصة الثلاثة الذين كانوا في الغار .. نعم .. قال الأول : اللهم كان لي أبوان
شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فَناء بي طلب الشجر يوماً فلم
أرح عليهما حتى ناما .. فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما
فلبثت والقدح على يدي أنظر استيقاظهما .. حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا
غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه
الصخرة .. تأمل أخي بأي شيء توسل إلى ربه .. بالطاعة الحقة .. ومن يفعل هذا
اليوم فعله ؟ ! فكم ترى زوجات مترفات منعمات .. وأنى للأم المسكينة من أن تغبق
أولاً ، وكم من أبناء قد أترفوا بنعيم وأنى للأب أن يغبق قبلهم ...
أخا الإسلام .. لا تظنني أريد تفريطاً في حق الزوجة أو الأطفال ولكن أعطِ
كل ذي حق حقه .. وإياك وما أنا فيه .. واغتنم حياتهما ، ورغم أنف امرء أدرك
أبويه أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة .. وما هي إلا مرارات وآلام أجترها يوشك
أن تنسينيها الأيام ولكن من لي بمحوها من اللوح المحفوظ .. يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً
ويحذركم الله نفسه ...
.. ثم إنك توشك أن تقول لي : ولكن لست كأفعالك فاعل فما قدمت على أبي
زوجة ، وما رفعت على أمي صوتاً .. وأنا أقول لك : صدقاً قلت ولكن .. أما وإن
أوشكت أن تصر على سلامة سيرتك معهما .. فشد الوثاق ولا تمن .. فذلك هو
رباط قد هداك الرحمن لحراسته وحفظه فدونك وتوثيقه ... ويا سعتادتك .
________________________
مجلة البيان
العدد 11
مقام الشيخ بركات

علي محمد

كان الأستاذ عادل يتبادل الحديث مع الأستاذ سعيد وهما في طريقهما إلى
المدرسة في الكَفْرْ ، عندما صعد الحافلة متسول نصف معتوه ، كبير في السن يهتز
ويتأرجح ، ويمسح لعابه بكمه المتهدل المتسخ ، يستجدي الركاب ويتهدد ويتوعد ،
يهددهم بأنه سيدعو عليهم بأن تنقلب الحافلة بهم في عرض الطريق .
ويبدو أن الأستاذ سعيد من منبت متأثر كثيراً بالكرامات والأولياء ، والأبدال
والأوتاد ! حيث إنه طلب من الأستاذ عادل أن يبادر إلى إعطائه بعض الدراهم
خشية أن تنقلب الحافلة فعلاً . لأن المتسول المذكور (عبد الكريم أبو شطة) من
المباركين المستجابي الدعوة .
أجابه الأستاذ عادل : هل تتكلم من كل عقلك يا أستاذ ؟
- طبعا ولم لا ؟ فإن الأحاديث عن الخوارق التي جرت على يديه يتناقلها
الصغير والكبير ، وسترى بعد قليل أنه سينزل ونمضي نحن في الحافلة ، ويسبقنا
إلى القرية التالية ماشياً ، حيث سينتظرنا هناك .
- لا حول ولا قوة إلا بالله !
- ماذا يا أستاذ عادل ؛ أو تنكر الكرامات ؟
- وهل قلت لك أني أنكر الكرامات ؟
- لا لم تقل ولكن لسان حالك يقول هذا .
- أنا لا أنكر الكرامات بشكل مطلق يا أستاذ سعيد . فالله قادر أن يكرم من
شاء من عباده ، لكن أن تصبح الكرامات طعامنا وشرابنا وتدخلنا في باب إشراك
هؤلاء العبيد والأموات مع الله سبحانه وتعالى في الخلق والأمر فلا .
- يعني أنت لا تصدق أن الشيخ أحمد أبو سرود قد جاء من عرفات إلى
استانبول وأكل الكبة المشوية عند أهله وعاد ليلاً إلى عرفات ؟
- يا أستاذ سعيد ، بارك الله في عقلك أهذا الذي تعلمته في الجامعة ؟
- بدأنا بأسلوب السخرية !
- لا يا أستاذ سعيد أنا لا أسخر منك ، ولكن أن يكون كلام العوام وخرافاتهم
كلاماً منزلاً محكماً لا يقبل النقد ، وتناقشني شهراً كاملاً حول حجية حديث الآحاد ،
وأنه لا يجوز أن نأخذ به في العقيدة لأنه ظني فهذا غير معقول .
- ولكن هذه الكرامات لا ينقلها العوام فقط ، بل إن ساداتنا المشايخ ينقلون
كثيراً منها عن أصحاب المقامات والأضرحة .
طيب يا أستاذ سعيد ما رأيك لو برهنت لك برهاناً عملياً أن كل هذه المقامات
والأضرحة خلط بخلط ؟
أعوذ بالله ! أعوذ بالله !
(وكانت الحافلة قد وصلت بهم إلى الدوار الموصل إلى الكَفْرْ)
هل هنا على هذا الدوار مقام أو ضريح يا أستاذ سعيد ؟
-لا .
إذاً ما رأيك لو أشعنا في الكفر أن على هذا الدوار قبراً قديماً لأحد الصالحين
قد اندرس وضاعت معالمه ؟
لماذا ؟
- لأريك بأم عينك أن الناس ستحمل هذه الإشاعة محمل الجد ، وربما يقيمون
في العام القادم مقاماً كبيراً للشيخ المزعوم !
دعك من هذا يا رجل ، وهل تظن الناس مجاذيب إلى هذا الحد ؟
طيب ، أنت ماذا تخسر إذا تعاونت معي ؟ أم أنت خائف من النتيجة .
- لا لست خائفاً ، ولكن !
وبما أنك نصف موافق فما رأيك أن نطلق على الشيخ المزعوم اسم : الشيخ
بركات ؟
- طيب ، كما تشاء .
واتفقا على إشاعة الأمر بأسلوب هادئ في المدرسة وعند الحلاقين باعتبار أن
دكان الحلاق من أهم وسائل الإعلان .
أجاب الحلاق (سليم أبو لسان) موافقاً على كلام الأستاذ عادل : طبعاً لابد أن
يكون الأمر صحيحاً . وهل من المعقول أن الجديدة وأم الكوسا عندهم عشرات
الصالحين ، ونحن لا يوجد عندنا ولا مقام واحد ؟
- الشيخ بركات يا حاج سليم كان من كبار الصالحين وكانت له مكانته عند
الباب العالي .
إذاً أنت تعرف كل هذه المعلومات عن الشيخ بركات قدس الله سره وتسكت .
لا والله أنا لست ساكتاً ولكن المسألة غابت عن ذهني في زحمة المشاكل .
(وانتشر الخبر في الكفر انتشار النار في الهشيم . ورآه عدد من الناس في المنام ،
وتحدثوا عن طوله الفارع ، وعمامته الضخمة وكراماته التي
لا تحصى ، وكيف أن المئذنة كانت تنزل إليه عندما كان يريد أن يؤذن .. و ..
و .. ) .
(وبدأ الحديث في المدرسة بين أخذ ورد بين الأساتذة جميعاً) .
- دعوكم من هذه الخرافات يا ناس .
يعنى تريد أن تقول أن الشيخ بركات غير موجود ؟
- طبعاً غير موجود .
- ما الذي تقوله يا رجل ؟ ولماذا تريد مسخ الصورة الجميلة للشيخ بركات
رحمه الله ، وكيف تجرؤ أن تقول هذا ؟ وهل تستطيع أن تثبت ذلك ؟
- قبل أن تؤكد أن الشيخ بركات لم يوجد ، وأنه لم يكن قط . عليك أن تعتبر
ظروف الوجود ، وأنواع الوجود . وأنا متأكد من أن الشيخ بركات كان موجوداً لكنه
وجود من نوع شاعري خاص غريب .
- ولكن يا إخوة كيف انفجر الينبوع الغربي في الكفر على يديه إذا لم يكن
موجوداً ؟ !
-لا ، لا ، هو موجود ، لقد وجد على وجه ما .
أجاب المدير باستخفاف . تعني أنه وجود ذهني في الخيال ؟
- أو ليس الوجود الخيالي وجوداً أو ليس الأشخاص الأسطوريون موجودين ؟
صحيح إنه ربما يكون وجود الشيخ بركات خيالياً ، لكن افتراض وجوده ،
وتأكيد هذا الوجود ، هو تأكيد على وجود الأشخاص الذين يمثلون الخير والصلاح
في هذا المجتمع .
- لقد كان الشيخ بركات موجوداً . إنني أصر على ذلك ، تفكروا أيها الأخوة
قليلاً تصلوا إلى نتيجة تقول بأن شرط الوجود لا يشمل المادة فقط ، إنه يعني فقط
العلاقة بين الصفة والموضوع ، إنه يعبر عن علاقة فقط ، حتى الصفات يمكن أن
تأتي بعد ذلك . والمهم هو الجوهر وبعض الصفات الذاتية كالوجود . وقضية
الوجود مفروغ منها بالأدلة المنطقية .
وكيف ذلك يا أستاذ ؟
- القضية بسيطة : - كل ما يقول عنه العلماء والمشايخ موجود فهو موجود .
- قال العلماء إن الشيخ بركات موجود .
- إذاً فالشيخ بركات موجود .
- المصيبة أن الشيعة الإمامية الذين قالوا بعصمة الأئمة أدى بهم هذا إلى
التطرف فكيف بمن يقول بعصمة كل من وضع على رأسه خرقة ملفوفة ؟ !
- أتكفرني يا أستاذ السند والدليل ؟ !
- هو لا يكفرك يا أستاذ ! طول بالك !
- ولكن لابد من الإقرار بأن الوجود من دون صفة هو - عملياً - عدم وجود
شيء .
- ولكن صفات الشيخ موجودة وأكيدة ألم تقرأ ما كتبت عنه الجريدة البارحة؟ وماذا كتبت ؟
- تحت عنوان » اكتشاف مقام الشيخ بركات « كتبت تقول :
ولد الشيخ بركات قدس الله سره في قرية الكفر عام 1100هـ وهو من سلالة
سيدنا خالد بن الوليد ، وقد درس على عدد كبير من العلماء منهم فلان وفلان ، ولقد
اشترك مع الجيش التركي في إحدى معاركه مع الصليبيين . وما إن استبد به
الحماس حتى نفخ عليهم ، فآثار زوبعة ضخمة ، رفعت الجيش المعادي مسافة مائة
متر في الهواء ، وسقطوا جميعاً مضرجين بدمائهم ...
ومن أين جاء الصحفي بهذه المعلومات ؟
- وهل جاء بها من بيت أبيه ؛ هذا تاريخ . ووالله أنت لا تصدق ولو رأيت
الشيخ بركات بأم عينيك . وهل عدم معرفتك لدليل على صحة المعلومات يعني أن
المعلومات غير صحيحة ؟
- ولكن هذه دعوى وتحتاج إلى دليل ، فالبينة على من ادعى ، وعلي وعليك
التثبت من صحة أي دعوى ، وإلا ادعى كل واحد منا ما يحلو له .
- هذه ليست دعوى ، إنها حقيقة ، وأنت الذي تدعي عدم صحة الخبر ،
وعليك البينة .
- يا رجل لا تحمل الأمر أكثر مما يحمل ، وتستخدم كل وسائل الجدل في
إثبات قضية اخترعها خيال الأستاذ عادل ، ليثبت بها غوغائية الجمهور ، والسير
بلا تثبت وراء كل ناعق .
- الأستاذ عادل اخترعها ! ؟ - أولاً : الأستاذ عادل يحب الجدل مثلك ، وكل
قضية يطلب عليها دليل ، ودعواه عندنا غير مقبولة . فإنه من حقده على الأولياء
والصالحين يدعي أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات ، والشيخ بركات قدس
الله سره موجود من زمن أجداده ، ولن تنفعه دعواه شيئاً . وثانياً : فإن هذا الادعاء
يزرع الشك في كل الأولياء والصالحين ومقاماتهم وكأن الدنيا خلت تماماً من
الصلاح والصالحين . أعوذ بالله ! !
وقرع الجرس وانصرف الأساتذة إلى الدروس ، وسار الأستاذ سعيد مذهولاً
مما رأى يحدث نفسه : معقول ؟ غير معقول ! . أيمكن أن تكون كل هذه الناس
مجاذيب ؟ والجريدة ؟ أيمكن أن تردد ما يقوله الناس بدون تمحيص ؟ غريب ! ! !
إن في الأمر لغزاً ما ، كيف اجتمع المشايخ بالأمس في الدوار وأقاموا
الحضرة (احتفال) للشيخ بركات ؟ والشيخ بركات اخترعه الأستاذ عادل ! ! أيمكن
أن يكون الخرف أصابهم جميعاً ؟ غير ممكن ! ! غير ممكن ! !
وبدأت تتسرب إلى ذهنه فكرة جديدة تحل له اللغز . وهي أن الشيخ بركات
موجود فعلاً ، وأن الأستاذ عادل يعلم ذلك مسبقاً وقد خدعه وأوهمه أنه هو الذي
اخترع وجود الشيخ بركات .
وحاول الأستاذ عادل أن يزيل هذه الفكرة من رأسه لكنه لم يفلح .
واستمر النقاش في المدرسة على هذا المنوال عدة أيام ، وكان العام الدراسي
في أواخره ، وقد انتهت المناقشات بذهاب كل أستاذ إلى بلده عندما حانت العطلة
الصيفية .
* * *
وفي العام التالي ركب الأستاذ عادل والأستاذ سعيد الحافلة ذاهبين إلى المدرسة
في الكفر ، وكان الأستاذ عادل قد نسي الموضوع لكنه انتبه إلى الأستاذ سعيد وهو
يتمتم في سره ببعض العبارات عندما أصبحوا على مقربة من الدوار . وكم كانت
دهشتهم كبيرة عندما وجدوا بناءاً جميلاً لمقام الشيخ بركات ينتصب شامخاً على
الدوار وبجانبه مسجد كبير فخم على الطراز المعماري التركي .
ابتسم الأستاذ عادل ونظر إلى الأستاذ سعيد .
لكن الأستاذ سعيد لم يعره كبير انتباه ، بل طلب من السائق أن يتوقف قليلاً ،
ورفع يديه وقرأ الفاتحة على روح الشيخ بركات .
________________________
مجلة البيان
العدد 12
[b]
الأشباح

علي محمد

كانت عقارب الساعة متعبة متثاقلة ، تقترب من الحادية عشرة مساءً ، عندما
كان السيد حمدي يقطع الطريق المتلوي الذي تشخص إليه عيون الأشجار الكهلة
الكثيفة ، زائغة مضطربة تحت أشعة ضوء القمر التي تدس أنفها في كل زاوية ،
فاضحة أسرار الظلام مشكلة أخيلةً ، جميلة حيناً ، محيرة حيناً ، مخيفة حيناً آخر ،
بينما تأخذ النسمات الشمالية اللطيفة الباردة دورها في تحريك الأخيلة يمنة ويسرة ،
وتعبث بالأوراق والأغصان ، محدثة أصواتاً ترمز أو لا ترمز إلى شيء .
وكان الحديث الذي دار في تلك الأمسية عن الجن والعفاريت يملأ وعيه ،
ويعشش بين ضلوعه ، وما أن بدأت بعض الحصيات تتطاير بفعل الحركة المرنة
لمؤخرة حذائه الإسفنجي الصيفي حتى بدأ بإسقاط كل ما دار في تلك الأمسية على
محاوره الذاتية النفسية ، معللاً كل حركة ، ومؤولاً كل خيال ، مستخدماً كل
معلوماته في الجغرافيا وعلم الاجتماع .
هذه الحركة الخشنة البطيئة المرعبة عند تلك الشجرة الضخمة ، أقرب ما
تكون إلى حركة شمهورش ملك الجن الأحمر ... وهذه رمانة و هيلانة ... تحاولان
النزول بهدوء من فوق ذلك الحائط بحركة رشيقة أشبه بحركة اللصوص الظرفاء نَ
نَعم ، إنهما يقتربان لكن ؟ ! من هذا الذي يرمي علي الحصى من الخلف ؟
- هل أضمروا لي شراً يا ترى ؟
- ماذا يريدون ؟
- هل سيقتادونني مثل اللجان الشعبية إلى حيث لا أدري ؟
- لكنّ موقفي المعلن لم يكن ضدهم في الحديث الذي دار منذ قليل ! ! أم .. أم ؟ !
- كما أنني لم أسخر من بقرة سيدنا الشيخ علي ! !
- وكيف أسخر منها وهى الكرامة الحية التي تناقلها أفاضل الناس ، يوم أن
قالت قولتها المشهورة : " إما حراثة وإما حليب " حين أتعبها الشيخ علي بالحراثة ؟
- لكن يا ترى هل يستطيعون أن يعلموا ما دار في خلدي ؟ لا أعتقد ذلك .
فالله -عز وجل- يقول على لسانهم : ] وأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ
أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ ؟ !
- لكن أرى أنهم يريدون بي شراً ... كل الدلائل تشير إلى ذلك ؟ !
- ماذا عملت يا ترى ؟
- أكان علي أن أرد على زملائي الذين سخروا من حراس مقام بقرة سيدنا؟
- إنهم يقتربون ! !
- ياإلهي ! !
الحركة تزداد من هنا ، وهذا الشيخ قادم إلي من هناك ، آه الحصى بدأ يتكاثر
علي ... لقد أصبحت على مقربة من المقام .. علي أن أسرع ... علي أن أسرع
قبل أن يصيبني مكروه ...
- لكن يا ترى هل هؤلاء من الجن المؤمنين أم من الكافرين ؟
- وإن كانوا من المؤمنين ، فلماذا يضمرون لي الشر ؟
- وإن كانوا من الكافرين ، فما شأنهم بحراسة المقام ؟
- وكيف يستعين سيدنا الشيخ علي بالجن ؟ !
- ألم يسمع قول الله -عز وجل- : ] وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ
بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [ ؟
- ( ومع ازدياد حركته يزداد تطاير الحصى ، وتزداد حركة أخيلة الأشجار ،
وتزداد نبضات قلبه خوفاً وهلعاً ) .
- يا إلهي ! !
-كيف يقول لنا الأستاذ فهمان : أن كل هذه الأشياء خرافات نسجتها العجائز؟
- إن وجود الجن حقيقة ، كما قال -عز وجل- : ] وخَلَقَ الجَانَّ مِن مَّارِجٍ
مِّن نَّارٍ [ ، وأنهم يروننا ولا نراهم حقيقة ، كما قال -عز وجل- أيضاً : ] إنَّهُ
يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ .
- كما أن كلام الست درية خانم عن جارتها أم الهبرة عن الإسكافي أبي كارم
[أن رجلاً سافر إلى أحد الأودية هناك ، فوجدوه مشلولاً ، عاجزاً عن النطق من
كثرة ما ضربه الجن على رأسه ] كلامٌ متصل السند ، لا يعتريه شك ، وبالتالي ...
وبالتالي ..
- وبالتالي ، فاسأل الله -عز وجل- : أن يحفظني من بطشهم هذه الليلة ،
فإنه لا قوة لهم مع الله ولا حيلة ، ألم يقل -عز وجل- على لسانهم : ] وأَنَّا ظَنَنَّا أَن
لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ ولَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً [ ؟
ولما تجاوز المقام بسلام ، توقَّف توقُّف الحذر ، يتلفت يمنةً ويسرةً ، بل تسلق
أحد الجدران متشجعاً من حيث الظاهر ، يكاد ينخلع قلبه هلعاً من الداخل ، راقب
المكان بدقة ، فلما لم يعد يرى أو يسمع شيئاً ، تابع مسيره إلى البيت مسرعاً مطمئناً
بعض الشيء .
وفجأة ينتصب على يمين الطريق ماردٌ عملاق عجيب مخيف ، يرتفع رأسه
فوق الأشجار ، انهارت أقدام حمدي ، وانعقد لسانه ، وأيقن بالهلاك ، ووجد نفسه -
بشكل لا إرادي- يركض ويركض ، لاهثاً ، مسرعاً ، خائفاً مرتعداً . وكان كلما
أسرع يزداد عدد الحصى المتطاير ، وتزداد سرعة الأخيلة ، التي تعني هجوم
مرجانة وشمهورش وكل حراس المقام .
سقط على الأرض مراراً ، تحامل على نفسه ، ولم يشعر بالجروح في ركبتيه
ويديه ، أخذ يصيح بشكل عفوي : يا رب ... يا رب ... سلِّم .. سلِّم ، وصل إلى
البيت ، تلفت عشرات المرات المتتالية ، وراء ، أمام ، يمين ، يسار ، فتح باب
البيت أسرع من البصر ، دلف إلى غرفته ، اندس في الفراش ، غطى وجهه
باللحاف ، أخذ اللحاف يرتفع وينخفض متجاوباً مع حركة الصدر الخائف
المضطرب .
وكان كلما هدأ روعه ، وأغفى إغفاءة قصيرة ، هبَّ من نومه فزعاً ، مرتعداً ، ينادي هناك .. هناك .
وأحست الحاجة زهدية بالموقف دون أن تدري ما السبب ، وبدأت تتعوذ بالله
من الشيطان الرجيم ، وتقراً الفاتحة ، والمعوذات ، وأشعلت مبخرتها لتطرد الأرواح
الشريرة .
سلامتك يا ابني .. سلامتك يا حبيبي .
وفي الصباح كان على حمدي أن يقطع نفس الطريق ذاهباً إلى مدرسته ،
ومشى حمدي بخطى خائفة حذرة ، خاصة عندما اقترب من مكان الشبح الذي رآه
بالأمس .
- وفجأة ؟ ! ! تسمَّر في مكانه . إنه هو ... نعم ... نعم .. إنه هو ، هذا هو
رأسه ، فوق تلك الشجرة ، يا إلهي ! ! ! ؟
- أنا أعلم أن الأشباح لا تظهر في النهار ؟
- أنا إذاً مطلوب ، مطلوب من دولة الأشباح ، ليلاً أو نهاراً .
- لكن ماذا عملت ؟
- إنه يتحرك ... يتحرك .
وانتبه زميله فائز ، فسأله مستغرباً : ما بك يا حمدي ؟ !
- ألا ترى الشبح ؟
- وأي شبح ؟
- ذلك المارد على تلك الشجرة .
- ذاك ؟
- نعم ذاك .
- ذاك خيال وضعه جدي لإخافة العصافير حتى لا تأكل المشمش ، وليس
لإخافة الشبان أمثالك .
- تداخل حمدي في بعضه خجلاً ، وابتسم ابتسامة شاحبة اللون ، وقال
بانكسار : إن جدك على ما يبدو صانع ماهر للتماثيل .
________________________

مجلة البيان
العدد 15
[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مجموعة قصص مجلة البيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الساحات الاردنيه :: الساحات الادبيه :: اقلام ادبيه-
انتقل الى: