الساحات الاردنيه

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


منتديات الساحات الاردنيه يبحث شؤون الاردن الاقتصاديه والاجتماعيه والتاريخيه والرياضيه والفنيه والتراث
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دابوقدابوق  بحـثبحـث  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  
اللهم حرم وجه من يقرأ هذه الرسالة عن النار واسكنه الفردوس الأعلى بغي حسابوردر
سبحان الله والحمد لله ولااله الا الله والله اكبرورد
أهلا وسهلا بكم في منتديات ساحات دابوقورد ونتمى لكم قضاء اسعد الاوقات معنا   ورد  ونعلمكم ان جميع المواضيع التي في المنتدى لا تعبر عن وجهه نظر ادارة المنتدى ومشرفيها بل تعبر فقط عن وجهه نظر كاتبه  ورد       
      
                                    
قال تعالى ( وان ليس للانسان الا ماسعى) صدق الله العظيمورد

الصادق سابق والصابر لاحق والغافل غارق ورد

سعة الفكر تزيد في الايمان ، وذكر النعم تزيد في المحبة ورد

صفات القلوب في الدنيا ، لباس الاجساد يوم القيامة ورد

من جلب لنفسه الاعذار فقد ظلمها ورد

لا تقطع حبل رجاءك من الله ولو بعمل صالح تعمله ورد

حقيقة التقوى ان لاتعص الله في الخلوه ورد

الرضا راحة للقلب والقناعة راحة للنفس وهما اصل السعادة ورد

في الاخرة عقبة شديدة لايتجاوزها الا المخلصون!ورد

ذا نافسك الناس على الدنيا فاتركها لهم واذا نافسوك على الاخرة فامض معهم ورد

اختر من الاصحاب الاخيار في الدنيا من تود مجاورتهم في الجنة ورد

اول الغيث قطرة ، واول البكاء عبرة،واول السير خطوة ورد

مااخذ من غير حله ، وضع في غير محله ورد

اذا تعسر امر فلا تيأس ، فالمعارك تنجب الاقوياء ورد

ارغب في صغائر الخيرات فانها تعظم عليها الحسرات ورد

قلة مع اتقان خير من كثرة مع نسيانورد

كل درهم تنفقه في معصية الله فانت بذلك: خائن وجاحد ومسرفورد

القرب على قدر المحبة ، والاثر على قدر التعظيمورد


 

التقوى خير زادك ، وحسن الخلق راس مالكورد

من علامات المحبة: كثرة ذكر المحبوبورد

 مكانتك عند النبي على قدر مكانته عندك صلى الله عليه واله وسلمورد

لباس التقوى تقوى القلوب ، وتقوى القلوب تعظيم شعائر اللهورد

اذا رايت عيبا من احد : فاستره واحسن الظن به وانصحهورد

من رضي بالدون فهو تحت التراب مدفونورد

من رضي بالغفله لم تنفعه المهلهورد


من فكر بالتوبة قبل الذنب وقع فيه ثم لا يتوبورد

 

 

طلب الارداة قبل تحقيق التوبة غفلةورد

رحمك الله  يا  ابا ليث واسكنك فسيح جناته
كل الاخوه الزوار نرجو منكم التسجيل والمشاركه بكل ما تبونه وما هو مفيد في اي منتدى من المنتديات التي تناسبكم ويا ريت كل واحد فيكم يكتب عن مدينته او قريته ولق انشئنا منتدى خاص في الساحات الاردنيه اسمه المدن والقرى الاردنيه مع تحياتنا لكم الاداره
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» القدم السكري
الإثنين ديسمبر 05, 2011 9:03 am من طرف hishamalbetar

» الام في البطن واسهال بعد الاكل مباشرة
الأربعاء أغسطس 10, 2011 2:01 am من طرف حسن حسون

» اضرار الانترنت
الأربعاء يوليو 13, 2011 3:14 am من طرف مخاوي الذيب

» اسماء بنات 2011
الأربعاء يوليو 13, 2011 2:46 am من طرف مخاوي الذيب

» ضربة بالراس
الخميس يوليو 07, 2011 11:28 pm من طرف زائر

» عمل جزئي
الخميس يونيو 30, 2011 12:43 am من طرف زائر

» المناصير أغنى الأثرياء الجدد على قائمة فوربس
الإثنين أبريل 04, 2011 2:17 am من طرف البدوي المتلثم

» بالصورة وعلى دوار الرئاسة اعتصام .. نعم للفساد .. لاللاصلاح !
الإثنين أبريل 04, 2011 2:12 am من طرف البدوي المتلثم

» البرادعي : سنعلن الحرب على إسرائيل إذا هاجمت غزة
السبت أبريل 02, 2011 5:27 am من طرف البدوي المتلثم

» نصيب عائلة مبارك من تصدير الغاز لإسرائيل في مأمن
الجمعة أبريل 01, 2011 10:47 pm من طرف البدوي المتلثم

» زاهية دهار من "مرافقة رجال" إلى سيدة أعمال ناجحة
الجمعة أبريل 01, 2011 10:45 pm من طرف البدوي المتلثم

» فساد سعيد بوتفليقة يهدد حكم أخيه
الجمعة أبريل 01, 2011 10:41 pm من طرف البدوي المتلثم

» الفيس بوك.. وغضب والزوجات!!
الخميس مارس 31, 2011 6:01 pm من طرف البدوي المتلثم

» سيدة سوريه تهاجم سيارة الأسد عقب مغادرته مجلس النواب(فيديو)
الخميس مارس 31, 2011 5:19 pm من طرف البدوي المتلثم

» جريدة الأهرام المصرية تنشر رسمًا يسىء للقرآن
الخميس مارس 31, 2011 5:15 pm من طرف البدوي المتلثم

» زلزال في المغرب بسبب ظهور شقيقة الملك شبه عارية
الأربعاء مارس 30, 2011 2:07 am من طرف البدوي المتلثم

» مصادر سياسيه تنفي لسرايا قرار منع المسيرات المؤيده للملك
الأربعاء مارس 30, 2011 2:05 am من طرف البدوي المتلثم

» الحسبان: ضبط موظفين في وزارة الصحة يتقاضون رواتب من دون عمل
الأربعاء مارس 30, 2011 2:02 am من طرف البدوي المتلثم

» موقع اللجنة المركزية للمتقاعدين العسكريين يتعرض للقرصنة
الأربعاء مارس 30, 2011 2:01 am من طرف البدوي المتلثم

» المذيع عدنان الزعبي مديرا عاما للتلفزيون الاردني
الأربعاء مارس 30, 2011 1:59 am من طرف البدوي المتلثم

» وطن يستغيث
الأربعاء مارس 30, 2011 1:58 am من طرف البدوي المتلثم

» عبيدات وشبيلات وشخصيات وطنية تؤكد: الأمن الوطني لا يتحقق باستخدام العصا الغليظة
الأربعاء مارس 30, 2011 1:54 am من طرف البدوي المتلثم

» استنادا لقرار سوري بمنع دخول زيوت المحركات إلى العراق وتركيا عبر سوريا سوريا تمنع دخول بضاعة أردنية مصدرة إلى لبنان بالترانزيت خسائر فادحة تتكبدها الشركة الأردنية المصدرة والشاحنات على الحدود منذ ٨ أي
الإثنين مارس 28, 2011 8:20 pm من طرف البدوي المتلثم

» ياإخواننا في الكويت لاتتهاونوا، ياأبناء عائشة وعلي وفاطمة الأمر جلل فخذوا حذركم، إنهم مجوس أنجاس
الإثنين مارس 28, 2011 5:33 pm من طرف البدوي المتلثم

» خمسون مليار دلار !!! لك الله يا شعب اليمن
الإثنين مارس 28, 2011 5:29 pm من طرف البدوي المتلثم

» وثيقة حقوق المواطن /الاردنية 2011 ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:22 pm من طرف البدوي المتلثم

» شاهدوا مقابلة الامير الحسن : الملك يحترم الدستور ويطالب بجمع الصفوف ويدعو للاصلاح
الإثنين مارس 28, 2011 5:17 pm من طرف البدوي المتلثم

» عمرو موسى ينفي وصفه القذافي بـ(الحمار)
الإثنين مارس 28, 2011 5:09 pm من طرف البدوي المتلثم

» رئيس الوزراء الاسبق احمد عبيدات : رياح التغيير بدأت تهب على وطننا ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:04 pm من طرف البدوي المتلثم

» من قلم : خالد حسن,,,,,فتاة إسمها ياسمين
الأحد مارس 27, 2011 7:29 pm من طرف البدوي المتلثم

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 73 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hishamalbetar فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 1882 مساهمة في هذا المنتدى في 1852 موضوع
سحابة الكلمات الدلالية
سلطان نهيان صويلح علاج الاردن مناسف ماجد التي الكرك تزيد الدم عرين اسماء نزول القاضي العالم وشلال ملكة اربد مدينة الذهب جمال الشيخ العدوان المدارس المنهمر

شاطر | 
 

 مجموعة قصص مجلة البيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوطواط



عدد المساهمات : 73
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/03/2010

مُساهمةموضوع: مجموعة قصص مجلة البيان   الجمعة مارس 26, 2010 4:28 am


الأسرة المسلمة


أم أسامة خولة درويش

لا عجب أن تستأثر (نبيلة) بقلبي ، فهي صديقة الطفولة والصِّبا ، شاركتني
لهو الطفولة البريء يوم كنا نلعب ونمرح ، وزاملتني في الصبا بدماثتها وحبها
للخير الذي ملأ فؤادها ومشاعرها فحظيت لديَّ بمكانة اختصت بها عمن سواها .
لقد حباها الله فضائل كثيرة فصانتها ، لم تبطرها النعمة التي تقلبت بها ، ولم
يطغها الغنى الذي ترعرت فيه ، ولم يفسدها الجمال الباهر الذي يزري بالجميلات
من بنات جنسها ، هذا فضلاً عما تمتاز به من أدب جم ، وعقل راجح ، ونظر سديد
رغم صغر سنها ، فما إن نضج جسمها ونما عودها حتى تحلت بالحجاب الذي
فرضه الله على المؤمنات ، فغدت بحق جوهرة مصونة ندر مثيلها .
ويحرص (عصام) أن يتزوج من (نبيلة) وهو جدير بذلك ، إنه من خيرة
أقاربها ديناً وخلقاً ، علماً وأدباً ، مالاً وجاهاً .
وتمضي السنة الأولى من الزواج هانئة مطمئنة والحب الوارف يخيم على
الزوجين السعيدين ، ولِمَ لا ؟ ! والشرع رائدهما ، يلتزمان به فيؤدي كلٌّ حق رفيقه
بصدر رحب ، وحب ودود ، لتظلل أسرتها سعادة نادرة ، وسكن حانٍ هانئ بعيد
عن المشاكل والمنغصات .
تجد نبيلة في قيامها بواجباتها لزوجها وأهله عبادة تؤجر عليها ، فلا تسأم ولا
تضجر ، ولا تمن عليه ولا تبخل بجهودها المخلصة وعواطفها الفياضة ، ويجد
عصام أن إعطاء كل ذي حق حقه إنما هو واجبه كمسلم يسعى للقربى من الله -
تعالى - فيحفظ في (نبيلة) وصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( استوصوا
بالنساء خيراً ) ، فإن أخطأت أو ظهرت منها هفوة قال لها في مزاح ومداعبة ما
أشبهها بالجد : ( سنرفق بالقوارير ولن أدع قارورتي تُكسر أو تُخدش ) ، فتضحك
ويضحك ، ويعالجان الأمور بالحكمة ، فتنقشع الغيمة ، وما كادت تمر السنة الأولى
من الزواج حتى بدأت التساؤلات ، وهمسات نساء الحي : لِمَ لمْ تحمل نبيلة ؟ !
وتقترب أم عصام من نبيلة لتحدثها بحنانها المعهود حديثها الهامس يمازجه
حرصها وشغفها لمعرفة سبب عدم الحمل : ( يا بُنيتي ! إنك في عمر الزهور ،
وهذه هي السن المثلى للحمل ، فلِم تؤجلين الحمل ، وأنت تعلمين ثواب تربية الولد
الصالح ، ولست بحاجة إلى مَن يذكّرك ؟ ! ) .
وكانت لحظة عصيبة ومؤلمة وصدمة غير يسيرة لأم عصام عندما قالت لها
نبيلة : ( إنني لا أستعمل أي عقار لتأجيل الحمل ) ... بُهتت أم عصام ولم تتمالك
نفسها أن ترقرقت في عينيها دمعة حائرة حزينة على سعادة لم تكتمل . وتمر الأيام
ويزداد حديث الناس ، ويزداد تحرق أم عصام وتعلقها بولد يكون وارثاً لابنها ،
وذكراً له وللعائلة جميعاً ، إنها وإن كانت تحب نبيلة - ولكنها تعود وتردد المثل
العامي : ( ضلع أدنى من ضلع ) .
وتتشجع هذه المرة للحديث مع ابنها في هذا الموضوع ، بدلاً من جرح مشاعر
نبيلة ، وخشية إيذاء أحاسيسها في أمر لا يد لها فيه ، وبنفس مفعمة بالمشاعر
الكثيرة وفى مقدمتها الأحلام والأماني بولد يدرج في بيت ابنها قررت عرض
الموضوع على عصام ، ويأتي الرد مماثلاً لما ذكرته نبيلة منذ سنتين : ( إنه لا يوجد
أي عائق جسمي عندنا ، وإننا ننتظر الفرج ) .
وودت لو أشارت عليه بالزواج ، وحارت كيف السبيل إلى إقناعه ، فهي
تعلم مكانة نبيلة في قلبه ، بل وفي قلوب العائلة جميعاً ، قالت له وهي تغالب نفسها ، وبصوت ممزوج بالأسى والمرارة - : إن الله - تعالى - يقول : ] المَالُ والْبَنُونَ
زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا [ ثم صمتت ، ثم نظرت إليه وكأنها تريد أن تقرأ ما في ذهنه من
خواطر وما في قلبه من مشاعر ، ولم يطل الصمت ، فسرعان ما قطعه عصام وهو
يتمم الآية : ] وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وخَيْرٌ أَمَلاً [ .
اكتفت الأم بهذا الرد ، ولم تحتمل الجلوس فخرجت بعزيمة مزعزعة ، وقد
أظلتها سحابة من الحزن ، وكأنما أُوصدت في وجهها أبواب السعادة كلها .
أما عصام فلم يستغرب طلب والدته ، لقد سمعه مراراً من زوجته ، نعم ،
زوجته نبيلة المؤمنة ذات الرأي الصائب ، كانت تعرض عليه الزواج ويُسكتها قائلاً : ( إنه يرضى بقدر الله وينتظر الفرج ) وها هي ست سنوات مرت على زوجين ،
ترفرف عليهما السعادة والهناء .
وجاء قدر الله ؛ فاليوم موعد زفاف ( سامية ) لعصام ، إنه يوم عصيب في
حياة نبيلة لا لأن زوجها سيتزوج من امرأة غيرها ، فكل امرأة تود لو أن زوجها لها
وحدها ، هاهم أهلها جميعاً - والدها ووالدتها وإخوانها ... - قد جاءوا مبكرين ، إذ
ما علموا بموعد الزواج إلا الليلة الماضية فقط ، وما كاد ظلامها ينقشع ويلوح ضياء
الصباح حتى كانوا جميعاً عند بيت عصام ، إنهم يريدون ابنتهم ، نعم يريدون نبيلة... فلا مكان لها في البيت بعد اليوم ... هذا رأيهم جميعاً . ولكن عصاماً قابلهم
بصدر رحب وابتسامة رقيقة ، ودعاهم بلباقته المعهودة للدخول إلى المنزل قائلاً : (لن تروا في إلا ما يرضيكم أنتم ونبيلة فأنتم أهلي ) .
وقبل أن يتمها انبرى أخوها أحمد للكلام : إننا لسنا أ .. فأسكته والده .
ولكن من يسكت الوالدة ؟ إنها تتحدث وتقول لابنتها : تعالي معنا معززة
مكرمة ، أن بنت الفقر التي تخاف على نفسها من الجوع هي التي ترضى بالمذلة ،
ولو كان يحبك لما أراد أن يتزوج عليك ، ولم يتم لنبيلة أن تسمع كل ما قالتها
والدتها ، الكل يتحدى ويهدد بالخلاص والطلاق ... وأصمتهم جميعاً قول نبيلة : (وهل التعدد حرام ؟ ! ، أليس ديننا يبيح التعدد ؟ ، أنا مسلمة وراضية ) .
وجم الجميع ، لقد عقدت المفاجأة ألسنتهم ، ولم يملكوا إلا أن يحملق بعضهم
في وجه الآخر ... ثم انتهت الأزمة ، ومرت العاصفة ، وعاد الأهل وقد أُسقط في
أيديهم ؛ إذ رفضت ابنتهم ترك بيت الزوجية ، ولسان حالهم يقول : ( أنت
الخسرانة ) ! .
وتم الزواج الثاني ، ومرت ثلاث سنوات لم أَرَ نبيلة خلالها ، وبقدر ما كنت
تواقة لمشاهدتها وقد عدت من سفري - بقدر ما كنت أتهيب من زيارتها خشية أن
تثير آلاماً وأحزاناً كامنة .
وكانت الغلبة للشوق نحو صديقة الطفولة والصبا ؛ لأرى بعيني أغرب حياة
يمكن تصوُّرها في عصرنا ، إنها تعيد لأذهاننا صورة حياة سلفنا الصالح يوم كانت
الهيمنة لشرع الله ، وهدْي رسوله ، فيشيع في بيوتنا الرضى والوداد ، فهذه نبيلة
هي هي ، لم تفارق البسمة العذبة شفتيها ، ولا الكلمة الطيبة لسانها ، ويلوح
في عينيها رضى من نوع عجيب يحكي سعادتها الغامرة .
و ( سامية ) - التي عرفتها لأول مرة - لا تقل عنها رقة ودماثة ولطفاً ،
وحتى في الجمال فهي أيضاً جميلة جذابة ، قد جللها نور المحبة والتسامح فزادها
قرباً من القلب ، وبعد جلسة قصيرة تُعرّف نبيلة بجارتها (ضرتها) ثم تقول بزهو
واعتزاز - وهى تربت على كتف سامية - : ( ما رأيك ، ألست ممن يحسن
الاختيار ؟ ، باختياري لسامية ! لقد بحثت لعصام كثيراً فما وجدت خيراً منها ديناً
وخلقاً ، والحمد لله لم يخب أملنا ) .
وإني إذ سمعت هذا الكلام لم أملك إلا الابتسام وغرقت في صمت مفعم
بالإعجاب والإكبار .
وأثناء حديثها تناهى إلى سمعنا صوت بكاء طفل من غرفة مجاورة ، وبلهفة
ذهبت إليه سامية لتعود حاملة طفلاً لا يتجاوز عمره بضعة أشهر ، وتقول : إنه (نبيل ) أخو ( سامي ) !
ومما قلل من حيرتي أن نبيلة ألقمت ثديها لنبيل ؛ فعلمت أنه ابنها ، لكن مَن
سامي هذا ؟ !
إنه الطفل المرح ذو النفس المشرقة ، يجر وراءه سيارة لعب صغيرة ليصل
إلى حضن نبيلة فتجلسه مع طفلها ، فلم أتمالك أن قلت : الحمد لله ، ما عنده من
خير لا ينفد ، بارك الله لك في أولادك وأسرتك يا أخت نبيلة .
وخرجت سامية لتعد الضيافة ، وهذا ما علمته من نبيلة ؛ إذ قالت : نحن هكذا ، كل واحدة منا تقوم بالواجب لضيوف جارتها ، حتى تتيح لها فرصة الاستمتاع مع
صديقاتها . ثم اعتدلت في جلستها وكأنها تذكرت شيئاً مهماً فاتها وقالت : حقاً هذه
أول مرة ترين فيها بيتناً بعد زواج سامية ، تعالى لأريك ترتيبنا الجديد للبيت .
ومشيت معها ، وكنت أود لو تعفيني من هذه المهمة ، لكني لم أشأ أن أرد
طلبها ، سرت معها وأنا أغبطها على صبرها وأسائل نفسي : أهي راضية حقاً ، أم
تمثل دور الرضا ؟ !
ولم ألحظ شيئاً غير عادي في ترتيب البيت ، إلى أن قالت : ( هذه غرفتي ،
وهذه غرفة سامية ) .
وشعرت بفضول غريب يدفعني دفعاً لأعرف رأيها بصراحة ووضوح ، ولم
أكتفِ بما تبديه من الرضا والابتسام ، وتمنيت أن أسألها لولا أن بادرتني سائلة : ما
رأيك في ترتيب بيتنا ؟ .
قلت لها : ممتاز ، ذوق سليم ، وإبداع مريح لكم جميعاً ، فلا بكاء طفل يؤرق
الأب المتعب ، ولا ضجيج يزعج الزوجين ، وهنا تشجعت وسألتها مداعبة : وأنت
ما رأيك في السكن في هذا البيت ؟ !
ففهمتها على التو ، وقالت ضاحكة : حتى أنتِ ؟ ، إنه جنتنا وبهجتنا في دنيانا
هذه ، ومنه إلى جنة الخلد - إن شاء الله - وتابعت كلامها : إن سامي ونبيل إخوة
فيجب أن ينشأوا في جو المحبة الحقيقية ، وإلا كانوا - والعياذ بالله - أعداءً ألداء ،
يملأون البيت غماً ومشاكل .
وتأتي سامية بالضيافة وهى تردد كلمات الترحاب ووجهها يتألق سروراً
وسعادة وهى تقول : كم يستغرب الناس زواجي من عصام ، حتى أهلي لم يحتملوا
أبداً سماع الموضوع ، لا لعدم كفاءته ، بل إنهم ينكرون أن أبدأ حياتي بأن أكون
زوجة ثانية ، فقلت لهم : وهل أنا أفضل من أمهات المؤمنين ؟ ! ، أليست الزوجة
الثانية زوجة معززة مكرمة ؟ ! .
وتشارك نبيلة في الحديث : غريب أمر الناس ، كيف يستقبلون التعدد
كاستقبال المحرمات ، بل أسوأ ؟ ! ، فقد يتساهل البعض في العلاقات المحرمة ،
ويطلقون ألسنتهم في الحديث عن تعدد الزوجات ، إنها غيبة العمل الحق بتعاليم
الشرع .
ولم أتمالك نفسي أن قلت :
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وزادكما الله من فضله رضى وسعادة .
________________________

مجلة البيان
العدد 20
واستقام ربان الأسرة

أم أسامة خولة درويش

تمد ( فاتن ) يدها المرتعشة لترفع (مظروفاً) وجدته قد وضع تحت الباب
وتنظر إليه بدهشة وحيرة مربكة ، إنه لزوجها الدكتور (عبد الحميد) وبعنوانه ، ثم
تعطيه له بصمت ينبئ عما يدور في نفسها من تساؤلات ...
ينظر الدكتور للمظروف ، وقد انقبضت أسارير وجهه ، ويقول : غير معقول ،
نفس عنواننا ، وباسمي أيضاً ‍‍‍‍ ! ‍‍‍ .
ويفض الغلاف ، ويتمتم قائلاً في دهشة :
- عجباً ، إنه من ابني سامر ! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍�� �‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ .
ويغوص في خواطره المبهمة :
كيف اهتدى سامر إلى منزلي هذا ؟ ... لقد مضى على زواجي من (فاتن)
خمس سنوات وما عرّفت أحداً به ...
خواطر كثيرة .
- وهل تزوجت إلا من أجل الراحة والاستجمام ؟ ! ثم يقول باستغراب :
- وماذا يريد سامر ؟ ! لقد كنت في منزلهم أمس ، أخذت لهم حاجتهم من
الطعام والأدوات المدرسية ! !
ولا يعير (د . عبد الحميد) كلام زوجته أي انتباه ، إنه مشغول بالرسالة
انشغالها بسرية بيتها وعدم معرفة العنوان حتى من أولاد زوجها !
وتدافعت الخواطر السريعة إلى (د . عبد الحميد) حالما رأى رسالة (سامر) :
- هل ألم بأحد إخوته خطر ؟
-أم هل يريد تحديد موعد خطبة أخته ( سلمى ) ؟ !
-أم أن صاحب البيت قد طالبهم بأجرته ؟ ! .
وفي بضع دقائق كانت الحقيقة تتضح وتظهر جلية بعد قراءة الرسالة ، فقد
جاء فيها :
والدي الحبيب :
كم أبهجتنا زيارتك لبيتنا أمس ، وكم سررت لسماع صوتك العذب يتردد صداه
في منزلنا ، وغبطت أشقائي الصغار أنك ناجيتهم ، ثم سارعت للخروج من الحمام
متلهفاً لرؤيتك ، وإذا بي أجد البيت قد امتلاء طعاماً ، وأشياء كثيرة - جزاك الله
خيراً - .
ولكني للأسف ما وجدتك ، فقد وضعتها وغادرت المنزل بسبب أشغالك
الكثيرة - كما ذكرت والدتي حفظها الله - .
كم كنت أتمنى أن تخصص لنا من وقتك ، وأن تجعل لنا نصيباً من يومك
لنحظى برؤيتك ، ونستمتع بحلو حديثك ، وجميل نصحك - لا حرمنا الله منك -
ولا أكتمك أني ما إن رأيت الطعام الوفير إلا وقلت في نفسي :
- يا سبحان الله ! وهل يظن والدي أن السعادة في الطعام الوفير ، والمتاع
الزائل ؟ ! .
يا والدي العزيز : سامحك الله ! إن الأغنام - وهي لا تهتم إلا بأكلها وشربها
- يتفقدها صاحبها باستمرار .
أتمنى أن نلقاك قريباً ، أباً رؤوفاً كما كنا نعهدك من قبل . ونحن لن ننسى يا
والدي الحبيب حقوقك علينا ، وارتباطك السعيد الذي حجبته عنا سنوات عدة .
لن نكون عثرة تحول دون سعادتك ، وسنبقى أبناء بررة . تحياتنا إليك وإلى
حرمك المصون . وتحيات والدتنا الوفية إليكما .
و لدك : سامر
تنظر ( فاتن ) إلى ( د . عبد الحميد ) وهو يقلب الرسالة وما يزيد عن أن
يطويها ويضعها في جيب جلباب النوم الذي كان يلبسه .
وأما ( سامر ) فكثيراً ما يتحدث مع أمه التي أمضت عمرها تتمنى اليوم الذي
ينتهي فيه زوجها (
عبد الحميد ) من دراسته ، وطال ما أضناها في تأمين الجو
الدراسي المناسب له . إنها الآن بعد تخرجه تستعيد الماضي ، تتمنى لو دامت تلك
الأيام ، حينما كانت أحوالهم المادية بسيطة ، إلا أنهم كانوا ينعمون بالمودة
والاستقرار .
وأما ( د . عبد الحميد ) فعندما أحس بتحسن مركزه العلمي والاجتماعي ، وأنه
قد حصل على شهادة ( الدكتوراه ) بدأت الأفكار تتوالى عليه :
- إنه في وضع اجتماعي مرموق ، ويحبذ أن تكون زوجته كذلك حتى
تستطيع أن تمثله في المجتمع .
- وهذه ( المرأة الطيبة الساذجة ) كما كان يسميها ، هل يليق بها ذلك ؟ !
هاهو سامر ولدها وقد علمته الأحداث ، يفتح قلبه لها ويعاتبها على ما ظنه
تقصيراً منها أدى بوالده إلى البحث عن امرأة أخرى ، وبنبرات خافتة حانية قال لها :
- لماذا يا أمي لم تكملي دراستك ؟ ! وأنت تعلمين أن زماننا زمان العلم
والثقافة ؟ ! وتتنهد (أم سامر) بحرقة وألم دفين ، والدمعة تلمع في عينيها وهي
تجيب :
- والله يا بني ما قصرت ، لقد بذلت قصارى جهدي في إقناع والدك لأتابع
تعليمي ، وما كنت ألقى منه إلا السخرية والاستهانة بمطلبي .
لقد كان وضعنا الثقافي متقارباً عند زواجنا ، فإذا به ينمي ثقافته ، ويهملني أنا
أم أولاده وشريكة حياته ، فأصبح البون بيننا شاسعاً .
ثم تعلق بتجرد وموضوعية تحكي واقعها المرير :
- حقاً ، كم بين بدائية الثقافة وبين الدكتور في الفلسفة من بون شاسع ! فما
الذي أوصله إلى ذلك ؟ !
- لا أريد أن أصفه بالأنانية حين فكر في مصلحته فقط وتعلم على حساب
راحتنا ومصالحنا ، لكنه على كل حال تناسى أنني زوجته التي فشل حتى في
تعليمها . كم كان يهزأ بالكبيرات اللائي يذهبن للدراسة ويقول (وربما يقصد الحاجة
أم ممدوح بالذات وقد قاربت الخمسين من عمرها) :
- تصوري عجوزاً شمطاء ، تتوكأ على عصاها بيد ، وتحمل (شنطة كتبها)
بيدها الأخرى !
ثم يقهقه ساخراً ... وما كانت ضحكاته تلك لتؤثر فيّ ، قلت له :
- أليس ذلك أفضل من بقائها أمية ؟ ! تتعلم القراءة والكتابة ، بدلاً من أن
ترى جميع الصفحات سواداً ، لاشيء عليها إلا طلاسم لا تفهمها . ثم إني لست
بعمر الحاجة إنها بعمر والدتي !
رد علي بازدراء ، وهو يرمقني بطرف عينه :
- تريدينني مثل الأحمق ( حازم ) الذي يوصل بيده زوجته إلى المدرسة في
المساء ، شأنه في توصيل أولاده في الصباح ؟ !
ثم يردف قائلاً باستعلاء :
- إنه فارغ ! وماذا وراءه من عمل ؟ !
وتزيل (أم سامر) عن ولدها ( الغبش ) وتجلي الحقيقة بقولها :
- لا والله ما كان فارغاً ، إنه رغم أعماله الكثيرة ، يجد أن من واجبه
تخصيص وقت لأسرته ، وهاهي زوجة ( حازم ) الآن في الجامعة ، وقد نفضت
عنها أميتها ولحقت بركب الحضارة ...
يقولون يا بني : وراء كل عظيم امرأة ‍‍‍‍ ! !
أما علم هؤلاء أن هذا يعني أيضاً ، أن أمام كل امرأة رجل ينير لها الطريق
ويمهد لها السبيل ؟ !
ثم تفطن لواقعها ، وتقول بتعقل :
- من حق والدكم أن يتزوج ، سواء لأنه أصبح عالي الثقافة وامرأته شبه أمية
، أو لأدنى سبب رآه ، وليس له أن يكون الزواج سبباً في تهربه من المسئولية ،
والبعد عن تبعات الأولاد . أين العدل الذي أوجبه الإسلام ؟ ! أم ظن أن العدل في
الطعام والشراب فقط ؟ !
وتدخل سلمى لتخبرهم عن سخط شقيقها (سعيد) وخروجه من المنزل ، فيهب
سامر واقفاً ، ليلحق بأخيه ، يبحث عنه بين المتسعكين والتافهين ... وتفلسف سلمى
ذلك بقولها :
- هذا نتاج الحرمان من عطف الأب ورعايته ... !
ويقع قولها كالقذيفة على قلب أمها ، فتنفجر باكية ...
وتقبل سلمى على أمها ، معانقة مقبلة لوجنتيها ، تخفف عنها وتقول لها :
- أبقاك الله يا أمي ، وجزاك عنا خير الجزاء ، إذ لولا صدرك الحنون ،
وحدبك الدؤوب علينا ، لما علم إلا الله سبحانه ما سيحل بنا ...
ثم تقول ناقدة وحانقة :
- يحبون تكثير النسل ... ! أو ما علموا أنه قد لا يزيد إلا في غثاء السيل ...
! أو ليس للتربية ونوعية النشأة عندهم أهمية ؟ !
وتتذكر الأم أن من واجبها التقريب بين الأب وأولاده ، فتقول لابنتها في
رضى واستسلام :
- الحمد لله ، إن والدك يختلف عن غيره من الناس ، انظري أسرة ( النزَّال )
كم يعاني أولاده من الضيق والضنك ، بينما يتمتع والدهم وزوجته الجديدة بأبهى
المتع ، وينعمون بأثمن الرياش وأعظم المسرات .
وتجيبها سلمى وكأنما لدغتها عقرب :
- كفانا الله الشر أن يكون والدي مثل (النزَّال) أو أن تكوني أنت مثل زوجته
الأولى ...
لقد وصل بها الأمر أن دست السم في طعام أرسلته له سراً ، واكتشف الأمر ،
وقيدت الجانية إلى السجن ...
وتنصب سلمى من نفسها قاضياً حين تقول :
- لقد كان الأجدر أن يسجنون الأب تأديباً له على ما فرط في حقها وبسبب
ظلمها وظلم أولاده ! !
وتردف الأم :
- الحمد لله أنكم لستم كأولاده ، فلا يكاد السجن يفرغ من أحدهم : هذا بتهمة
الاحتيال ، وذاك للاقدام على الانتحار ، وآخر للنشل ...
وفيلسوفة البيت (سلمى) تعلق بثقة بالغة :
- طبعاً ... الحرمان العاطفي والشعور بالظلم ينميان الميول العدوانية .
فالحمد لله الذي عوضنا بصدرك الحنون يا خير أم .
تقول ذلك وتنهال على يد أمها لثماً وتقبيلاً .
وأما ( د . عبد الحميد ) فلم يهداً له بال ولم يقر له قرار . إنه كلما تذكر
الرسالة عاد إلى قراءة سطورها ليجد الحقيقة أمامه واضحة : إنهم أولاده ، مهما
هرب أو تهرب ... إنها زوجته مهما تعالى أو استعلى ... إنهم واقعه الذي يجب أن
يتعامل معه ... ثم إنه واجبه الديني قبل كل شيء … (العدل) ، به تستقيم الحياة
ويوضع كل شيء في نصابه ... وماذا لو تعكر مزاج ( فاتن ) بعض الشيء ؟ ! فإن
كانت تحبه حقاً فستقدر وضعه ، وإلا فلا خير فيها ... ! !
وإذا تبين لديه ذلك قرر مفاتحتها ومرافقتها لزيارة أسرته ... وبعد جلسات
معدودة ، قضاها مع ( فاتن ) بين أخذ ورد صارت ( فاتن ) أخيراً طائعة راضية ،
تشتري لابنته (سلمى) عقداً جميلاً لتحلي به صدرها بمناسبة خطوبتها ... وانتعش
فؤاد (أم سامر) بعد أيام قاحلة عانت فيها الكثير ... والتأم شمل الأسرة فعاد للبيت
إشراقه وبهجته ، وفرح (سامر) وأشقاؤه بإخوتهم الصغار (أولاد فاتن) وأصبحوا
يلاعبونهم ، ويركبونهم الأراجيح ويشترون لهم اللعب والهدايا والحلويات ...
يستمعون إلى أناشيدهم الشجية ويحكون لهم القصص الممتعة .
لقد عادت البسمة إلى شفاه الجميع ، والكلمات الطيبة إلى أفواههم ، والأنس
والسرور أصبح يغمر كيانهم .
وأحلى الساعات وأحبها إلى قلوبهم ، عندما تجتمع أسرتهم الكبيرة بمرحهم
الحبيب وروحهم المتآلفة .
هاهي قد استقامت حياتهم عندما استقام ربان أسرتهم ، وثاب إليه رشده ،
وحقق ما يطلبه منه ، ربه : (العدل) .
________________________

مجلة البيان
العدد 21
اليقين

وائل صبري

الحمد لله المعطي والمانع ..
قال الزوج هذه الكلمات من أعماق قلبه وهو يرفع بصره إلى السماء ، متأملاً
في نجومها المتلألئة وهي تسبح في بحر كثيف من السواد الداكن ..
كان الفرح ينمو ويكبر في ذلك القلب المرهف كزهرة تفتحت أكمامها مع
بداية الربيع .. وكان الكون كله من حوله يبدو - في عينيه - باسماً أنيساً ملؤه
المحبة والفرح والأمل .. وكان يشعر وكأن الدنيا بأسرها تزف إليه التهاني مع كل
نسمة للأثير في تلك الليلة الجميلة ..
كيف لا ؟ وقد سمع ذلك الخبر الذي كان ينتظره منذ سنين .. ينتظره وقلبه
مفعم بالأمل والرجاء واليقين . مبارك إن شاء الله .. زوجتك حامل ..
كان هذا هو الخبر .. وكانت تلك هي الكلمات . أما المشاعر فكان لا يعلم
وصفاً لحالها إلا الله .
وعاد الزوج إلى البيت .. وفتح كتاب الله الكريم على الآيات التي كان كثيراً
ما يقرؤها ودمعة وحيدة حرى تترقرق في عينيه .. وبدأ يقرأ . ؛ ] كّهيعص‌ * ذِكْرُ
رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِياً * قَالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي
واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ولَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياً * وإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي
وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ولِياً * يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ
رَبِّ رَضِياً المرة تنهمر من عينيه سيلاً مدراراً يغسل
وجنتيه الوضيئتين ويخضب لحيته الكثيفة .. وفى يوم الجمعة .. عندما ذهب إلى
المسجد .. أشرق وجهه بالبشر والحبور .. وامتلأ صدره بالثقة والأمل .. وهو
يسمع الخطيب يتحدث عن الأولاد والبنين ، ويهدر بصوته قائلاً : وكيف لا تفرح
أيها الأب بفلذة كبدك وتعتني به . وهو امتداد لسجودك وركوعك وتسبيحك وتهليلك.. وهو قطعة من جسدك تمشى أمامك على الأرض ..
وخرج من المسجد ولسان حاله يقول : سأعتني به إن شاء الله . وسأعمل على
أن يكون امتداداً حقيقياً مباركاً لركوعي وسجودي وتسبيحي وتهليلي بإذن الله رب
العالمين .
ومرت الأيام . وكان يتردد - أثناءها - بشكل دوري على المستشفى مع
زوجه لإجراء الفحوص الطبية المعتادة .. إلى أن جاء يوم ..
- هذا هراء .. غير معقول ! !
كان الزوج يقول هذه الكلمات للطبيب - في ذلك اليوم - والنيران تتأجج في
قلبه .. ويزيد أوارها أنين زوجه المسكينة التي أذهلها هول الموقف فلم تجد تعبيراً
عما في فؤادها المشتعل أصدق من الدموع ..
- هذا ليس هراء يا سيدي وهذه هي الصورة أمامك . إن هذا الشيء الذي
يسكن رحم زوجك الفاضلة ليس جنيناً .. أنا لم أر في حياتي مثل هذا .. إنه .. إنه
يا سيدي شيء أو مخلوق لا يعلم طبيعته إلا الله ! ! إ . ونظر الزوج إلى الصورة
مرة أخرى .. ثم أشاح بوجهه .. فقد كانت الصورة التي أجريت لرحم زوجته
غريبة حقاً ففي وسط الصورة .. وحيث كان يفترض أن تظهر ملامح الجنين
المعروفة .. لم يكن يبدو سوى كتلة ملتفة من اللحم دون أية أطراف أو معالم ..
كانت الصورة - كما قدر الجميع- لمخلوق لم ير إنسان له مثيلاً على الإطلاق ..
غير أن أحداً لم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة في ذلك الموقف الرهيب ..
وانقضت دقائق ثقيلة من الصمت كأنها دهر .. تماسك بعدها الزوج المجروح
وقال موجها حديثه للطبيب :
- والعمل ؟ . أقصد .. ماذا تقترح أن نفعل الآن أيها الطبيب ؟ .
- في الحقيقة .. أعتقد أن الأمر الوحيد الذي يمكن عمله الآن هو .. هو
الإجهاض .
- ماذا ؟ .. الإجهاض ..
- أعتقد أنه لا مفر من ذلك يا سيدي على الإطلاق .. ربما يكون ذلك مؤلماً
بعض الشيء .. إلا أنني أظن أن الألم سيكون مضاعفا .. وطويلاً .. بعد ذلك إذا لم
نتدارك الأمر الآن .. وأعتقد أنكم تفهمون تماماً ما أعنيه ..
قالها الطبيب وهو ينظر إلى نظرات الزوجين التي تلاقت في حوار صامت
قصير ولسان حالهما يقول : إننا نفهم تماماً ما تعنيه .. يا سيدي الطبيب ..
ومرة أخرى .. ساد الصمت الثقيل أرجاء الغرفة .. لكنه كان في هذه المرة
صمتاً له دوي هائل .. لم يقطعه غير كلمات الزوج الهادئة الرتيبة :
- حسناً .. حسناً .. سنفكر ملياً في هذا الأمر .. وأعتقد أن لدينا متسعاً من
الوقت على كل حال .. شكراً .. السلام عليكم .
وخرج الزوج .. وزوجه التي لم تنطق بحرف واحد طوال الوقت تتكئ على
ذراعه .. ونظر الطبيب قليلاً إلى الممرضتين اللتين شهدتا المشهد كله .. ثم أطرق
برأسه .. وألقى بيديه في جيوب معطفه وغادر الغرفة هو الأخر .. فقد كان الموقف
لا يحتمل أي كلام ..
لم يصل الزوجان إلى البيت إلا وكان الزوج قد فكر ملياً وحسم الأمر .. وكان
هذا علامة على عودة مؤشر قلب هذا الرجل الكبير للاستقرار على موجة الإيمان
واليقين التي عهدها في نفسه .. وعهدها الناس فيه .. بعد تلك الهزة العنيفة ..
ومع أول خطوة داخل المنزل قال :
-لقد انتهى الأمر .. والأمر لله من قبل ومن بعد على كل حال .. ثم أردف
موضحاً حين رأى عيون زوجه الدامعة مليئة بالتساؤل والاستفهام :
- لقد نفخت الروح - والله أعلم - في هذا الجنين .. فأنت الآن في شهرك
السادس .. والإجهاض معناه الآن قتل هذا المخلوق المسكين .. وهذا مالا نفعله على
الإطلاق .. إن شاء الله ..
كانت الكلمات تنساب من فمه بهدوء وطمأنينة غريبة .. ورغم أن تباشير
دمعة حارة كانت تترقرق في عينيه إلا أنه مضى يقول :
- إن الله هو الذي ينفخ من روحه في هذا المخلوق .. وهو .. هو وحده الذي
يحق له أن يأخذ ما أعطاه .. أما نحن .. فليس لنا من الأمر شىء .. غير الدعاء
والرجاء .
واستسلمت الزوجة الحزينة أول الأمر .. ودونما إدراك منها لطبيعة ذلك
الاستسلام .. هل كان قناعة منها بكلمات زوجها ؟ أم كان رضى بالأمر الواقع ؟ ..
أم أن الذهول الذي أصابها منذ اللحظة الأولى كان يلفها فى حناياها فلا تجد في
نفسها قدرة على التفكير واتخاذ القرار ؟ ..
والحقيقة أن هذا كان التفسير الحقيقي لموقفها بادىء الأمر .. إلا أن مشاعر
اليقين والصبر والرجاء والتي كان زوجها يبثها - دائما - في كل مناسبة .. سرعان
ما بدأت تتغلغل في أعماق فؤادها الكليم لتملأه شيئاً فشيئاً أمناً وطمأنينة وسكينة ..
لم تستطع أن تفسره إلا أنه كان رحمة وعوناً من الله .
وبهذه المشاعر المفعمة بالتعلق بالله الواحد الأحد .. واجهت - أكثر من مرة
- موقف بعض الممرضات اللواتي عرضن عليها - خفية ودون علم زوجها - ومن
منطلق الإشفاق والرثاء ! مساعدتها في التخلص من حملها العجيب . مرة بالأدوية
والعقاقير .. وأخرى بالتعب والإرهاق .. وثالثة بطرق أخرى .. غير أنها كانت
تتذكر في كل مرة كلمات زوجها عن الواهب .. الواهب الذي له وحده الحق في أخذ
ما وهب .. فتقف .. بكل إصرار في وجه تلك المحاولات التي ظلت تتكرر حتى
الأيام الأخيرة التي سبقت موعد ولادتها .. هذه الولادة التي كانت تترقبها جموع
العاملين في المستشفى .. بعد أن طارت بقصتها الركبان .. داخل المستشفى
وخارجه .. إلى أن جاء ذلك اليوم المشهود ..
- أنا لا أصدق ما أرى ! ! .. الله أكبر .. الله أكبر .. ما أجمل هذه المولودة ..
بهذه الكلمات الممزوجة بدموع الفرح .. كانت تصيح الطبيبة التي أشرفت
على ولادة الأم المؤمنة الصبور .. وسرى الخبر سريان الكهرباء في أسلاكه بين
جموع المرتقبين .. وكأن مساً أو عدوى أصابت الجميع ، فإذا دموع الفرح تنهمر
من عيون خليط غريب غير متجانس من البشر .. ليغرق الجميع في موجة صاخبة
من التهاني والفرح وهم يروون ما حدث :
- لقد كانت مولودة جميلة .. فيها شيء واحد غريب .. فقد كان شعرها طويلا
مسدلاً .. ولما كانت متكورة على نفسها في رحم أمها .. فقد كان الشعر يغطي
جسمها الصغير .. الأمر الذي أظهرها في الصورة على ذلك الشكل الغريب ..
- وفى تلك الأثناء كان الزوج ساجداً في غرفة الانتظار .. كان قد سمع
بالخبر وعلم بتفاصيله .. بل كان قد رأى الطفلة وانطلق بالآذان في أذنها الصغيرة .. وحنكها بشيء من التمر اتباعاً لسنة نبيه العظيم .. لكنه كان في تلك اللحظات
يهيم بقلبه وروحه بعيداً .. بعيداً عن كل هؤلاء الناس .. حتى أنه ما عاد يسمع شيئاً
من كل ذلك الضجيج ..
كان إحساسه كله يتركز في أن الأمر كله كان امتحاناً لصبره وإيمانه ..
امتحاناً ليقينه .. وكان - وهو ساجد سجدة الشكر - يحس أنه بعون الله نجح في
ذلك الامتحان .. وبدرجة الامتياز ..
________________________

مجلة البيان
العدد 22

المخادع

خولة درويش

ما رأيت مثل ( عائدة ) اعتزازاً بزوجها ، وزهواً بآرائه وتصرفاته ، والتي
تعتبرها ( كياسة ولباقة ) .
إنني كلما أكبرت فيها إعجابها بزوجها ، وتقديرها له ، رحت أتساءل : - ( أهي محقة في ذلك ؟ ! ) .
وأتاح تقاربنا في السن ، أن أتعرف على مكنونات نفسها خلال ما تفضيه إلي
من آمالها ومسراتها ، فضلاً عن علاقة الجوار والزمالة .
وكثيراً ما حدثتني بسعادة وانشراح عن مغامرات زوجها الطبيب ( بديع )
ومقالبه الناجحة ، التي كانت أشبه بصفقات تجارية من حيث نتائجها المادية
وأرباحها الخيالية .
وإن أنس لا أنسى يوم كانت ضحكاتها العالية ، وقهقهاتها الرنانة تملأ أرجاء
البيت وهي تحدثنا عن آخر ( شطاراته ) بقولها :
- ( في صباح الأحد الماضي كان الضباب يخيم على كل شيء ، على الجبال
والشعاب والشجيرات المتناثرة التي حال الظلم دون الاستمتاع برؤيتها .
كان الدكتور (بديع) يقود سيارته مسرعاً إلى مقر عمله في الضاحية المجاورة . وأثناء الانحدار إلى سفح الجبل ، ومع السرعة الكبيرة ، ارتطمت سيارته ارتطاماً
عنيفاً بسيارة العامل المسكين التي كانت أمامه ، والتي رغم وضاعتها كان يصحب
عائلته فيها ... (قالت ذلك بتقزز وامتعاض) أحس ( بديع ) على أثرها بدوار شديد
... أنسته إياه المواقف المتلاحقة . فهاهو قد نقل مع سائق السيارة المصابة إلى
المستشفي ، وكان ذلك المسكين جسداً لا حراك فيه . أما طفلاه اللذان كانا في المقعد
الخلفي فقد أُخِذا إلى غرفة العمليات لعلاج كسور مختلفة في جسميهما فضلاً عن
جروحهما التي كانت تنزف بشدة ..
وتتفاخر ( عائدة ) - سامحها الله - وتقول ضاحكة :
- لكن بديع بديع ! ليس كغيره . تحامل على نفسه ، ثم تناسى آلامه ومتاعبه ، وهبّ واقفاً يمسك بيد السائق المسجى ، ثم يصب في أذنيه كلمات يعلنها بكل ثقة
وصلابة :
- ( أنا طبيب وأعرف أنك لا تشكو من شيء ؟ قم فوالله إن لم تفتح عينيك
حالاً ، لأخذت حقي منك ، ولدفعت الثمن غالياً . فأغرمك أجور عيادتي بسبب
حادثك المفتعل ... ! ! فأنت المعتدي ، ثم يردف مردداً مقولته التي يدأب على
إعلانها :
- ( والشرع يرضي الجميع ... ! ! ) .
وأردفت تقول بفرح واعتزاز :
- تصوروا بعد لحظات ، ومجرد أن أفاق المسكين ، وفتح عينيه المذعورتين
بعدما سمع التهديد ، أشار إلى الشرطة .
- ( دعوه يسامحني ، فأنا غير مصاب ... ! ! ) ثم تتابع ( عائدة ) :
وركب ( بديع ) سيارته وذهب سعيداً إلى عمله ، وكأن شيئا لم يكن ...
استمعت إلى قصة ( عائدة ) وأنا في ذهول ، وصرت أحدث نفسي :
- ( حقا لقد كان الضباب يغلف كل شيء ، حتى القلوب البشرية ؟ ! حتى قلوب الأطباء الذين تحتم عليهم رسالتهم تضميد جراح الآخرين ومسح آلاماهم ؟ !
وتوالت الخواطر والتساؤلات :
- أهذا أمر يدعو إلى الزهو ؟ ! أين التدين الذي كانت تنشده ( عائدة ) في
زوجها ؟ ! بل أين الكياسة ؟ !
لقد تزوجت منه وهي تعتبره ( لقطة ) فريدة في عصرها ، مركز مرموق .
وثقافة عالية ، فضلاً عن يسر حال أهله ، أما هو فإن لم يكن كثير المال ، لكن ثراء
( عائدة ) يمكنها من الاحتفاظ بمستواها المعيشي الراقي ، ثم إنه فوق ذلك : ( متدين
عصري ) كما كانت تقول .
وعندما كان والدها الشيخ ( عادل ) رحمه الله يقول لها مبيناً رأيه :
- إنني لا يعجبني هذا الصنف من الناس . إذ كثيراً ما يكتنفه الكذب
والغموض . وحيث كان الكذب والمراوغة كان الزيغ أو النفاق ...
لكن ( عائدة ) ساهمت مع إخوتها بإقناعه أن ( بديعاً ) مسلم مثقف ودبلوماسي
لبق ، يحسن التصرف وتدبير الأمور و ... إنه يحرص على أن يتصدر الصفوف
الأولى في المحافل الدينية ، ويجيد المناظرة ولو كان قرنه من كبار العلماء . وهذا
ما اكتسبه من طول مرافقتهم .
وتم الزواج السعيد ، وهو دؤوبة على ذكر أخباره وأسفاره .
كم كانت فرحة ، وهي تحدثنا عن قصة الفلاح الطيب وهو يلبس ثيابه
البسيطة ، ويضرب باب العيادة بعصاه ويقول ؛ وتحاول عائدة أن تقلده بصوت
مرتفع أجش :
- ( السلام عليكم يا دكتور ... أدخل ؟ ! )
ثم يدخل ويشكو ألماً في بطنه لا يحتاج إلى أكثر من مسكن ، فربما كان ألمه
بسبب برد عارض في تلك الأيام .
ولكن الطبيب ( بديع ) بديع ! !
هول الأمر وضخمه وأمر ( المسكين ) أن يمض يومه في العيادة في غرفة
مجاورة لغرفة الطبيب ، وذلك لمراقبته خوفاً من نتائج خطيرة قد تعود على صحته
إذا أهمل نفسه ويحاسب الله عليها الطبيب ... !
ويتكرر ذلك لمدة أسبوع للاحتياط ، فالحذر طيب ، ومراقبة الله واجبة ! !
يوماً يجري ( بديع ) بعض الفحوصات للمسكين ، ويوماً تعمل له بعض
التحاليل وآخر يعطى المسكنات مع تدليك لبطنه ! ثم تتابع ( عائدة ) :
- وبعد الأسبوع المشهود ، كانت فرحة الفلاح لا توصف عندما أخبره ( بديع ) أنه تماثل للشفاء ، وتعلق بمزيد من المرح :
- أما نحن فقد فاض عن حاجتنا آنذاك البيض الطازج ، والدجاج البلدي ،
وهدايا الجبن والزبد التي يأتي بها للطبيب الماهر ، فهو سيساعده في شفائه من
الأمراض الخبيثة ....
وتضيف قائلة على لسان زوجها : ( الحياة شطارة والسعي على العيال فيه
الأجر والثواب ) ويسوء ذلك الموقف الحاضرات ، فتستنكر إحداهن بقولها : - ( وهل يثاب المرء على مثل هذا الكسب ، وقد خالطه الخداع ؟ ! وتساندها أخرى : - ألم يعلمنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن المؤمن يطبع على الخلال
كلها إلا الكذب والخداع ؟ !
ولكن ( عائدة ) لم تلق بالاً لكل ما يقال :
وحتى السيدة والدته لم تسلم من مقالبه ...
كانت عائدة تتمنى أن تسافر إلى أوربا حيث لم يتح لها السفر لقضاء شهر
العسل ، وهي تريده سفراً على نفقة (بديع) وأنى له ذلك بإمكانياته المادية المحدودة ؟! وتسر لي ( عائدة ) أن ( بديعاً ) قد عمل لوالدته فصلاً مسرحياً خفيف الدم ، فقد
تودد لها واستعطفها ، وزين لها أنه يريد الذهاب إلى أوربا ليكمل دراسته وهي
فرصة العمر ... ويعود بعدها ليصبح من أحسن أطباء البلد لاختصاصه النادر الذي
سيحصل عليه . ويقول لها وهو يشبع يديها لثماً وتقبيلاً :
- لا تحرمينى من تحسين مستقبلي . ثم يرجوها قائلاً :
- سأكون ابنك البار الذي يدخله رضاك الجنة إن شاء الله .. ! وتتابع عائدة :
وكانت دراسته من روائع ما يتصوره الدارسون ... في ملاهي باريس
وشواطئ إيطاليا ... وكنت رفيقته على نفقة الحاجة والدته رحمها الله ...
أسأل الله الهدى لعائدة : إني كلما ذكّرتها بعدم الحرص على المتع الفانية ،
كانت تسخر مني وتقول :
- نحن نرضي الله ، ولا نهمل العبادة ، ونعيش دنيانا كما نحب .
وعندما سألتها مشفقة عليها :
- وهل يرضيك الاختلاط على الشواطىء ، وهو محرم في ديننا ؟ !
ردت بانفعال :
- سامحك الله ، وهل تظين أنني أسكت على مثل هذا ؟
والله لقد ذكرته مرة حين كان يتحدث عن جمال الحسناوات على الشاطىء
بحديث قدسي للرسول صلى الله عليه وسلم : » النظرة سهم مسموم من سهام إبليس
من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه « .
فابتسم وهو يقول :
- إنها غيرة النساء ، ثم إني لا أعيرهن أكثر من نظرة أخوية بريئة ! ! .
.... وتمر السنون القليلة ، وأزور بيت أخيها الكبير لأجد ( عائدة ) وقد
اختفى مرحها ، وظللتها الكآبة والأسى ، وأضحت ساهمة الوجه ، مقطبة الجبين
تحكي دموعها شقاء حاضرها ، وبؤس مستقبلها القاتم ، وعلمت من حديث هامس
في الغرفة المجاورة ، أنها تعيش أزمة عائلية مع زوجها ! !
في الحقيقة ، كنا جميعاً في ذهول أمام هذه النتيجة المؤسفة ، وتتنهد أختها
الصغرى وهي تقول : هكذا الرجال .. لا عهد لهم !
وتؤمّن امرأة أخيها على تولها - سواء مجاملة أم حقيقة - :
- صدقت ، ما رأيت زواجاً سعيداً مثل زواجهما ، وهذه نتائجه ! .
وتدعو لها بإشفاق : كان الله في عونك يا ست عائدة .
وأتحسس أسباب النكد المفاجئ فأجد أن زوجها قد أخذ منها وكالة ليشرف على
تدبير أموالها وليحفظها لها . وليجنبها الاختلاط بالرجال الذي يحرمه ديننا ... ثم
فوجئت أنه قد باع قطعة أرض من أملاكها دون أن يستشيرها ، ولما سألته عن
السبب ، أشعرها أنه التجاري اليقظ الحريص على مال زوجته . فالأراضي إلى
كساد ، وعليه أن يغتنم الفرصة ولا يفوتها ، وإضاعة المال حرام ... ! !
ثم يطمئنها بقوله :
- على كل حال ، الأموال موجودة ، وإن شئت نسخنا البيع . واسترضاها
بذلك . وبعد مدة وجيزة ، اشترى لنفسه ( فيلا ) جميلة في الشارع المجاور .
ولما ساءلته عن مالها ثمن الأرض . صار يراوغ ويخادع ، ويمنيها أن (الفيلا ) لها ، وإن شاءت سجلها باسمها . أليس هو وإياها كنفس واحدة ؟ !
واستفحل الأمر ، وتحول إلى مشادة عنيفة عندما بدأت تجابهه بواقعه :
- إنني لو كنت أقدر الأمور ، لعرفت النتيجة يوم سفرنا لأوربا ، إن من
يكذب على أمه حري به أن يكذب على زوجته والناس أجمعين ، ومن يستبيح لنفسه
الكذب فقد زجها في النفاق ...
تقول ذلك وهي توطن نفسها على تحمل ثورة ( بديع ) فقد يشتمها أو يلطمها
أو ... وتتلمس رأسها بكلتا يديها وهي تنظر إليه بتوجس .
لكنه يقابلها ببرود ، ويقول بخبث وملق ، وهو يرسم على وجهه ابتسامة باهتة :
- بيدك حق ، وكل ما تقولينه جميل ولطيف . والحب الذي بيننا لن تمحوه
هذه الكلمات ..
ثم تكشف له النقاب عن سوء طويته بردّها المقتضب اللاذع :
- إنك لا تحب إلا نفسك ، إلا المادة والشهوات . إن الذي لا يحب دينه ولا
يصدق مع ربه ، لا يمكن أن يصدق مع أحد .
وهنا لا يملك وقد ضاق صدره بالمأزق المهين . إلا أن ينكمش مخذولاً
ويتوارى منهزماً ، وقد عذبه الله بالحرص والجشع والخداع ، ويتمتم بكلمات مبهمة
تفضح غيظه الدفين .
وتأتي بعدها ( عائدة ) إلى بيت أخيها . وآخر عهدها بزوجها أن تدافعا عند
الباب وهو يصر على منعها من الخروج ، ويسعى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
وتركته يستعطفها بصرخات متشنجة :
- يا عائدة لا تفضحيني ، أولست زوجك ولي حق عليك ، لا تخرجي وكل ما
تريدينه يأتيك رغباً وطوع أمرك ... يا عائدة ! !
ولكنها لا تأبه لما يقول وتخرج تشيعها توسلاته ورجاؤه ، وهو يبكي على ثقة
الناس به تلك التي عالق حياته يبنيها بخداعه .
... وهاهي ( عائدة ) وقد أسقط في يدها ، تتحسر وتتأوه ، وهواجسها الدفينة
تأبى إلا أن ينطلق بها لسانها .
- آه لو كنت عاقلة حقاً لما اقتنعت أن هناك ( متديناً عصرياً ) كما توهمت
طوال حياتي معه .
وبقلب يتحرق أسى ، ونفس استيقظت بعد غفلة ، تتابع بين آهاتها وشهقاتها :
- رحمك الله يا والدي وطيب ثراك كم كان نظرك بعيداً . ورأيك سديداً وأنت
تقول :
- المؤمن واضح ، لا مواربة في سلوكه ولا غموض ، آلف مألوف قريب
من النفوس السوية ، بعيد عن الخداع والأنانية . يتصرف بميزان الإسلام وأخلاقياته .
________________________

مجلة البيان
العدد 23
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مجموعة قصص مجلة البيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الساحات الاردنيه :: الساحات الادبيه :: اقلام ادبيه-
انتقل الى: