الساحات الاردنيه

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


منتديات الساحات الاردنيه يبحث شؤون الاردن الاقتصاديه والاجتماعيه والتاريخيه والرياضيه والفنيه والتراث
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دابوقدابوق  بحـثبحـث  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  
اللهم حرم وجه من يقرأ هذه الرسالة عن النار واسكنه الفردوس الأعلى بغي حسابوردر
سبحان الله والحمد لله ولااله الا الله والله اكبرورد
أهلا وسهلا بكم في منتديات ساحات دابوقورد ونتمى لكم قضاء اسعد الاوقات معنا   ورد  ونعلمكم ان جميع المواضيع التي في المنتدى لا تعبر عن وجهه نظر ادارة المنتدى ومشرفيها بل تعبر فقط عن وجهه نظر كاتبه  ورد       
      
                                    
قال تعالى ( وان ليس للانسان الا ماسعى) صدق الله العظيمورد

الصادق سابق والصابر لاحق والغافل غارق ورد

سعة الفكر تزيد في الايمان ، وذكر النعم تزيد في المحبة ورد

صفات القلوب في الدنيا ، لباس الاجساد يوم القيامة ورد

من جلب لنفسه الاعذار فقد ظلمها ورد

لا تقطع حبل رجاءك من الله ولو بعمل صالح تعمله ورد

حقيقة التقوى ان لاتعص الله في الخلوه ورد

الرضا راحة للقلب والقناعة راحة للنفس وهما اصل السعادة ورد

في الاخرة عقبة شديدة لايتجاوزها الا المخلصون!ورد

ذا نافسك الناس على الدنيا فاتركها لهم واذا نافسوك على الاخرة فامض معهم ورد

اختر من الاصحاب الاخيار في الدنيا من تود مجاورتهم في الجنة ورد

اول الغيث قطرة ، واول البكاء عبرة،واول السير خطوة ورد

مااخذ من غير حله ، وضع في غير محله ورد

اذا تعسر امر فلا تيأس ، فالمعارك تنجب الاقوياء ورد

ارغب في صغائر الخيرات فانها تعظم عليها الحسرات ورد

قلة مع اتقان خير من كثرة مع نسيانورد

كل درهم تنفقه في معصية الله فانت بذلك: خائن وجاحد ومسرفورد

القرب على قدر المحبة ، والاثر على قدر التعظيمورد


 

التقوى خير زادك ، وحسن الخلق راس مالكورد

من علامات المحبة: كثرة ذكر المحبوبورد

 مكانتك عند النبي على قدر مكانته عندك صلى الله عليه واله وسلمورد

لباس التقوى تقوى القلوب ، وتقوى القلوب تعظيم شعائر اللهورد

اذا رايت عيبا من احد : فاستره واحسن الظن به وانصحهورد

من رضي بالدون فهو تحت التراب مدفونورد

من رضي بالغفله لم تنفعه المهلهورد


من فكر بالتوبة قبل الذنب وقع فيه ثم لا يتوبورد

 

 

طلب الارداة قبل تحقيق التوبة غفلةورد

رحمك الله  يا  ابا ليث واسكنك فسيح جناته
كل الاخوه الزوار نرجو منكم التسجيل والمشاركه بكل ما تبونه وما هو مفيد في اي منتدى من المنتديات التي تناسبكم ويا ريت كل واحد فيكم يكتب عن مدينته او قريته ولق انشئنا منتدى خاص في الساحات الاردنيه اسمه المدن والقرى الاردنيه مع تحياتنا لكم الاداره
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» القدم السكري
الإثنين ديسمبر 05, 2011 9:03 am من طرف hishamalbetar

» الام في البطن واسهال بعد الاكل مباشرة
الأربعاء أغسطس 10, 2011 2:01 am من طرف حسن حسون

» اضرار الانترنت
الأربعاء يوليو 13, 2011 3:14 am من طرف مخاوي الذيب

» اسماء بنات 2011
الأربعاء يوليو 13, 2011 2:46 am من طرف مخاوي الذيب

» ضربة بالراس
الخميس يوليو 07, 2011 11:28 pm من طرف زائر

» عمل جزئي
الخميس يونيو 30, 2011 12:43 am من طرف زائر

» المناصير أغنى الأثرياء الجدد على قائمة فوربس
الإثنين أبريل 04, 2011 2:17 am من طرف البدوي المتلثم

» بالصورة وعلى دوار الرئاسة اعتصام .. نعم للفساد .. لاللاصلاح !
الإثنين أبريل 04, 2011 2:12 am من طرف البدوي المتلثم

» البرادعي : سنعلن الحرب على إسرائيل إذا هاجمت غزة
السبت أبريل 02, 2011 5:27 am من طرف البدوي المتلثم

» نصيب عائلة مبارك من تصدير الغاز لإسرائيل في مأمن
الجمعة أبريل 01, 2011 10:47 pm من طرف البدوي المتلثم

» زاهية دهار من "مرافقة رجال" إلى سيدة أعمال ناجحة
الجمعة أبريل 01, 2011 10:45 pm من طرف البدوي المتلثم

» فساد سعيد بوتفليقة يهدد حكم أخيه
الجمعة أبريل 01, 2011 10:41 pm من طرف البدوي المتلثم

» الفيس بوك.. وغضب والزوجات!!
الخميس مارس 31, 2011 6:01 pm من طرف البدوي المتلثم

» سيدة سوريه تهاجم سيارة الأسد عقب مغادرته مجلس النواب(فيديو)
الخميس مارس 31, 2011 5:19 pm من طرف البدوي المتلثم

» جريدة الأهرام المصرية تنشر رسمًا يسىء للقرآن
الخميس مارس 31, 2011 5:15 pm من طرف البدوي المتلثم

» زلزال في المغرب بسبب ظهور شقيقة الملك شبه عارية
الأربعاء مارس 30, 2011 2:07 am من طرف البدوي المتلثم

» مصادر سياسيه تنفي لسرايا قرار منع المسيرات المؤيده للملك
الأربعاء مارس 30, 2011 2:05 am من طرف البدوي المتلثم

» الحسبان: ضبط موظفين في وزارة الصحة يتقاضون رواتب من دون عمل
الأربعاء مارس 30, 2011 2:02 am من طرف البدوي المتلثم

» موقع اللجنة المركزية للمتقاعدين العسكريين يتعرض للقرصنة
الأربعاء مارس 30, 2011 2:01 am من طرف البدوي المتلثم

» المذيع عدنان الزعبي مديرا عاما للتلفزيون الاردني
الأربعاء مارس 30, 2011 1:59 am من طرف البدوي المتلثم

» وطن يستغيث
الأربعاء مارس 30, 2011 1:58 am من طرف البدوي المتلثم

» عبيدات وشبيلات وشخصيات وطنية تؤكد: الأمن الوطني لا يتحقق باستخدام العصا الغليظة
الأربعاء مارس 30, 2011 1:54 am من طرف البدوي المتلثم

» استنادا لقرار سوري بمنع دخول زيوت المحركات إلى العراق وتركيا عبر سوريا سوريا تمنع دخول بضاعة أردنية مصدرة إلى لبنان بالترانزيت خسائر فادحة تتكبدها الشركة الأردنية المصدرة والشاحنات على الحدود منذ ٨ أي
الإثنين مارس 28, 2011 8:20 pm من طرف البدوي المتلثم

» ياإخواننا في الكويت لاتتهاونوا، ياأبناء عائشة وعلي وفاطمة الأمر جلل فخذوا حذركم، إنهم مجوس أنجاس
الإثنين مارس 28, 2011 5:33 pm من طرف البدوي المتلثم

» خمسون مليار دلار !!! لك الله يا شعب اليمن
الإثنين مارس 28, 2011 5:29 pm من طرف البدوي المتلثم

» وثيقة حقوق المواطن /الاردنية 2011 ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:22 pm من طرف البدوي المتلثم

» شاهدوا مقابلة الامير الحسن : الملك يحترم الدستور ويطالب بجمع الصفوف ويدعو للاصلاح
الإثنين مارس 28, 2011 5:17 pm من طرف البدوي المتلثم

» عمرو موسى ينفي وصفه القذافي بـ(الحمار)
الإثنين مارس 28, 2011 5:09 pm من طرف البدوي المتلثم

» رئيس الوزراء الاسبق احمد عبيدات : رياح التغيير بدأت تهب على وطننا ...
الإثنين مارس 28, 2011 5:04 pm من طرف البدوي المتلثم

» من قلم : خالد حسن,,,,,فتاة إسمها ياسمين
الأحد مارس 27, 2011 7:29 pm من طرف البدوي المتلثم

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 73 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hishamalbetar فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 1882 مساهمة في هذا المنتدى في 1852 موضوع
سحابة الكلمات الدلالية
تزيد المنهمر علاج مدينة العالم مناسف القاضي ملكة اربد ماجد سلطان نزول نهيان صويلح الذهب التي وشلال اسماء عرين الكرك الاردن العدوان المدارس جمال الشيخ الدم

شاطر | 
 

 تااااابع قصص مجلة البيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوطواط



عدد المساهمات : 73
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/03/2010

مُساهمةموضوع: تااااابع قصص مجلة البيان   الجمعة مارس 26, 2010 4:49 am


العقوق

خولة درويش

يا لفرحة (أم نديم) وهي ترى عروس ابنها الجميلة (سها) تزف له ، إنها
فرحة طالما انتظرتها لتجبر قلبها الكسير ، ولتأسو جراح نفسها المكلومة ، ويا
لسرورها وهنائها ! ها هو ابنها تكتمل رجولته إذ يعمر بيت والده (المرحوم خالد)
فتسعد بذلك كما سعدت يوم تخرج من كلية الهندسة وعين في إحدى الشركات
الكبرى ، فتركت مهنة الخياطة التي ما كانت لتعمل بها لولا الحاجة ، كانت تمضي
سحابة يومها في استقبال زبائنها من الراغبات في الأناقة ، وتسهر جل ليلها خلف
ماكينة الخياطة لتؤمن لعيالها الحياة الهانئة الكريمة بعيداً عن الحاجة ، تتطلع إلى
أملها الكبير (نديم) ليحمل عنها أعباء أضحت تنوء بحملها ، وهي على أبواب
شيخوخة مبكرة جلبها كدح النهار وهمِّ الليالي لإعالة أيتام ، وتأمين الحياة الكريمة
لهم بعيداً عن العوز والفاقة .
لكن صاحباتها ممن يعرفن (سها) المعرفة الحقة كان يحدوهن تفاؤل حذر إلى
تحفظ في الفرح والسرور ، وما منعهن الإقدام على نصيحتها إلا الخوف من أن
يتهمن بالغيرة ذلك أن جمال (سها) البارع قد ملك على (أم نديم) قلبها بل وعقلها
أيضاً ، ولم تدر أن هذا الجمال لم يورث (سها) إلا غطرسة وكبراً بل وتسلطاً في
الرأي يلمسه كل من يعاشرها ..
ومنذ أن اقترنت بـ (الأستاذ نديم) أضافت إلى سلطانها وجبروتها عش
الزوجية الجديد . فأضحت رغباتها أوامر عند أفراد الأسرة جميعاً وأصبح زوجها لا
يتوانى عن تنفيذ ما تحب أياً كان ذلك… وإن حدث التواني أو التأجيل .. فلا اعتذار
يقبل ، بل ينطلق السخط من فمها فيحول المنزل إلى جحيم لا يطاق .
وكان الجميع يطلب لنفسه السلامة برضاها ، وعمل ما يروق لها ، فهل
ترضى ؟ ! لا زلت أذكر يوم كانت (سها) تشكو حب ابنتها (سلوى) لجدتها وعماتها
وبرها لهم وتعلقها بهم .
وعندما قلت لها سائلة ومقربة بين وجهات النظر :
- وماذا في برها بجدتها وقربها من عماتها ؟ ! أوليس ذلك مما يفرح الأم ؟
إن من يبر جدته ويحسن إلى عمته قادر أن يكون أكثر إحساناً إلى أمه ... ولكن
هيهات أن تقتنع (سها) أو ترضى بهذه الأقوال ..
لقد حجب هواها الجامح جمال الحقيقة ، فما وجدت منه إلا النفور ، لقد امتقع
وجهها وهي تقول :
- لا ليس كل الناس سواء ، هؤلاء كالثعابين التي تقذف بالسم ، إنهم أعداء
بثياب الأهل والأقارب .
ويجمح بها الانفعال فتتابع الكلمات تتدفق من فمها :
- يكفي المرارة التي جرعوني إياها عن طريق ابنهم ووساوسهم له ، أيريدون
أن يذيقوني الويل من أولادي أيضاً ؟ !
وأرادت أن تختصر الحديث فهبت واقفة وهي تتوعد بأمر لا ترعوي عن
إظهاره .
- والله لن أدع لهم مكاناً في بيتي… فإما أنا أو هم ، وليعمل ابنهم ما يشاء ،
فمنزل أهلي يسعني ...
ويأتي الزوج .. ويحتدم النقاش ، ويخونه بيانه ومنطقه ، ولم تسعفه أية حجة
حتى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) .
لامس حسها الغليظ فما وجد منها غير التبلد واللامبالاة والإصرار على موقفها
المشين . فما كان من الزوج الذي اعتاد الانصياع لزوجته المتسلطة إلا أن رضخ
لرغبتها ، ورأى أن والدته برحابة صدرها ، أكثر تقديراً للأمور من زوجته .
فقرر مفاتحة الأم الرءوم ، وقال لها بصوت كسير حزين :
- عزيز علي أن أقول لك يا خير أم ، أنني ابنك البار بك ، والذي يفديك
بالغالي والرخيص ... ويسود صمت ثقيل ، فالموقف الجلل يمنع الكلمات المتعثرة
من أن تظهر ، فتغوص في أعماق حنجرته .
ونظرات الأم الحائرة ترمقه في دهشة وتساؤل .
ثم يكمل وقد غلبت عليه الأثرة قائلاً :
- إن (سها) قد أتعبتني ، وتجد أن لا حق لأحد في زوجها وبيتها ، فماذا أعمل؟! وبين دهشة الأم وحسرتها ، سالت دمعة أسيفة من عينيها ، وفي بساطة تعسة
قالت بتسليم حزين :
- اعمل ما تريد ، أما أنا وأخواتك فنفوض أمرنا إلى الله ..
ثم خرجت وبناتها من البيت ... وفي نفسها تعتلج المشاعر الأليمة ، والضيق
المكتوم و (سها) تشيعها بابتسامة تحكي قسوتها وفظاعتها ، وتخلو من كل معاني
الإنسانية .
.. وعاشت الأم حياة بائسة قد لا تصل إلى حد الكفاف ... وهي التي لا تفتأ
تسمع عن حفلات ابنها وولائمه ، ونفسها تتوق إلى لقمة طعام من كده وسعيه ، فلا
تلقى إلا صدقات بعض المحسنين الذي يرجون ثواب الله في إعطاء الصدقة
للمتعففين من ذوي الحاجات ، أمثالها !
فما أشق ذلك على النفس التي ما اعتادت الاستخذاء ، لكنه السن والحاجة ! !
وأما (سها) فهل وجدت السعادة التي كانت تنشدها ؟ !
أم هل أصبحت التطلعات المبتذلة هي مقياس السعادة ؟ !
ها هو البيت قد فرغ لها ، ففرحت وفرح أهلها ، إذ خلا المنزل فما ينغصهم
أحد ، كما سول لهم عقلهم القاصر ، وما دروا أن البر وصلة الرحم توسع الرزق
وتسعد العيش ! !
ويتحامل (نديم) على نفسه ويرحب بهم فيزيد ذلك من غبطتهم .. ثم لا يلبث
أن ينقلب الترحيب إلى تجهم وكدر ، ويبلغ الأمر حدة عندما أعلن موقفه بوضوح ،
وقد شعر أنه الذليل في بيته ، الجريح في رجولته ، وأصر على عودة أهله (والدته
وأخواته) الذين لا معيل لهم غيره ، ليشاركوه النعم التي أنعم الله بها عليه .
ولكن أنى توافق (سها) على ذلك ؟ ! وهي التي ترفض حتى الكلمة الطيبة من
ابنتها لهم… إن الغيرة قد أكلت قلبها . والهواجس الخبيثة قد أفسدت عيشها ، فما
تطيق أن ترى زوجها يسر لهم بحديث ، أو يبادلهم الابتسام أو حتى الهموم ، وتصر
على الرفض… وتضحي بأهلها عندما أعلنتها بعنجهية بعد جدل طويل :
-إن كان يروق لك بعدي عن أهلي فمن الآن فصاعداً لن أجعل أحد منهم يأتي
لبيتك ، فلا أهلي ولا أهلك ، هل أعجبك ذلك ؟ !
فيرد وقد تخاذل أمامها كعادته :
- نعم أعجبني .
ويوصد بيت العقوق أبوابه أمام أهل كل من الزوجين ، ويكتفيان بأنفسهما
وقرنائهما ...
وتمر الأيام والسنون ... ويحين موعد زفاف ابنتهم (سلوى) ويجد الأستاذ
(نديم) أن هذه فرصته كي يشعر بحقه الطبيعي في القوامة على المنزل ورئاسة
الأسرة . وأن يظهر أمام أصهاره بالمظهر اللائق كرجل يحترم نفسه .
ودون استشارة حرمه (سها) دعا أهله لحضور الفرح كما دعا أهل زوجته
أيضاً .. وهكذا .. أصبح عرس (سلوى) الفرح الذي وارى جراح أقاربها ولمَّ شعث
أهلها ..
وسادت الحياة طبيعية ، لولا نذر الانتكاس التي كانت تظهر بين الحين
والآخر فيعالجها نديم بصبره الدءوب وإصراره العنيد على عدم التفريط بوشائج
القربى وصلة الأرحام .
وأنا اليوم وبعد سنوات قليلة من هذا الزواج ، أرى (سها) - ولأول مرة - في
انهيار مريع تبكي بمرارة وحرقة ما أسبغته على ابنتها (سلوى) من رفاه وما تلقى
منها من الجحود .
فيبلغ بها الانهيار مداه وقد أسقط في يدها فتغطي وجهها بكلتا يديها وتنشج
كالطفلة الصغيرة وهي تكوم جسدها الكليل على إحدى الأرائك ، تنتحب من أعماق
فؤادها المكلوم ، وكلمات لا تكاد تبين تخرج من بين شهقاتها :
- آه من سلوى ! قد صار لزوجها بيت ولا يأذن لي بدخوله ! !
يا لها من عاقة ، عاقة لا خير فيها ، جحودة منكرة للجميل ! ويزداد تشنجها ،
عندما يمر أمام مخيلتها ، شريط جحودها هي لفضل أهلها وحقوق زوجها وأهله ...
وكأنها تقول : ألا ما أشبه الليلة بالبارحة ، ومن جرع غيره كأس العلقم احتساه بما
قدمت يداه .
________________________

مجلة البيان
العدد 27

صور من الحياة

د .عمر عبد الله

ما إن أخذت مكاني من الطائرة ، حتى رأيت ذات الرجل ... كان أكثر
المسافرين حديثاً وانشراحاً ... ولم يترك فرصة لتقديم المساعدة لأحد إلا بادر .. ،
وعلى الرغم من جسده النحيل وقامته الصغيرة ، فإنه بدا أكثر أهل الحافلة الجوية
نشاطاً !
أقبل نحوي وقال : يبدو أنك صديقي في الرحلة .. ، ومرافقي في المقعد . -
أجبت : يبدو ذلك .
استقر على الكرسي المجاور .. وتنهد ثم قال :
- كم من الوقت ويحل وقت المغرب ؟
- ربع ساعة .
- اللهم يسر ولا تعسر .. لقد كان الجو لطيفاً اليوم .. حمداً لك يا واهب النعم . أخذ في ترتيل دعاء السفر ... ثم التفت إلي قائلاً :
- أتعرف أنني تعلمت هذا الدعاء من مذيع الطائرة ... جزى الله خيراً من
بادر لنشره وإذاعته .
-- يبدو أنك تسافر كثيراً ؟ .
- نعم .. كل أسبوعين .. كل نصف شهر أسافر إلى الرياض لأخذ
« الكيماوي » .
- الكيماوي ؟ !
- علاج .. لقد ابتليت بمرض خطير ... انظر ... ثم وقف يريني ندباً من
أثر الجراحات التي بدت متعددة .. استأصلوه من البطن لكنه انتشر في بقية الجسم
بعد عامين من العملية .. قضاء .. وقدر .. !
-الحمد لله على كل حال .
وأخذت أسترسل معه في الحوار ، فعرفت أنه فراش في دائرة حكومية وأنه
أب لسبعة أطفال أكبرهم في التاسعة ، وبقية ذريته من الإناث ، ثم تابع :
- تعرف يا أخي .. إن نعم المولى كثيرة .. ، ووالله إنني بخير .. أشعر أنني
بنعمة مادمت أدب على الأرض ، وعقلي معي ولساني يلهج بالثناء لصاحب المجد
والملكوت .
سألته وقد كانت هيأته تدل على ضعف الحال :
- هل تملك داراً لك ولأولادك ؟
- يا « مطوع » السعيد هو الذي يملك داراً هناك في الفردوس .. أما هنا
فالديار عارضة !
كان يصر على مناداتي بلقب ( يا مطوع ) وحينما أعلن دخول وقت الإفطار
أصر على أن لا ألمس أكل الطائرة قائلاً :
- أكل خواجات يا مطوع ... لا يصلح لنا ، هاك التمر الحقيقي .. دع عنك
« المعلب » ! .
- كلاهما خير .
- نعم ولكن حلفت عليك إلا أن تأكل .
- شكرته وأكلت من قصعته ... فإذا به يفاجئني وقد أخرج قرطاسا مليئاً
« بالسمبوسة » وأقراص « الفلافل » .
- سم الله وكل يا مطوع .
- جزاك الله خيراً .
- أبداً يكفي اثنين ، دائماً أحضر فطور جاري في المقعد .. أتعرف أجر
المفطر .. لا شك أنك تعرف يا مطوع ..
- دعوت له وأخذت تحت إلحاحه آكل وأتحدث معه عن أسرته ومصاعبه
المادية فبدا إيمانه عميقاً ، وتوكله مطلقاً مع ما يواجهه من نوائب .
- تعرف أنني لا أملك بيتاً ولكني مطمئن .. مطمئن تماماً لو نزل القضاء
قريباُ .
-كيف ، هل هناك أقرباء يرعونهم ؟
- يا مطوع .. كنت أحسبك ستفهم .. وراءهم من يطعم الطير في أعشاشها
ويرزق الأجنَّة في الأرحام .. لن ينساهم ربهم .. ، إنني أتركهم في حال أسعد من
حالي حين تركني والدي يتيماً ... دع عنك المستقبل وتأمينه .. لا يؤمن القادم إلا
رازق كل ذي كبد رطب ! !
- صدقت ، لكن الأسباب مطلوبة ..
- علم الله أنني لم أقصر ... هاأنذا أقطع رحلتي السبعين طلباً للعلاج ...
وهاهم أهـلي يطلبون مني أن أقلل من جهدي بسبب المرض .. إنني أعمل «قهوجياً » في حفلات الأعراس ... وهي مستورة ... مادام أنه رزق شريف ، وكدح
لا يعيب .. فأنا بخير .
استمر الحديث حتى قطعته إطارات الطائرة وهي ترتطم بالأرض .. ولا
أدري لماذا شعرت بالارتباط بهذا الإنسان البسيط ، لقد تعلمت منه معاني عظيمة
نعرفها جميعاً ، لكن لا يطبقها أو يمارسها بتلك القناعة سوى من رزقوا توكل الطير
الخماص وهي تغدو ، كم كان رائعاً وهو يضع مفاهيم القدر والسبب ، وكم كان
مقنعاً وهو يعيش النظرية والتطبيق بلا انفصام ، كم كان كريماً وهو الفقير ، ومقداماً
وهو الضعيف ، وشريفاً وهو المكافح ، ومطمئناً في عصر القلق ..
ودعته وأنا أقول كما قال أحد العلماء : « اللهم امنحني إيماناً كإيمان العجائز» وتفارقنا .. وأنا أصر أن يقبل دعوتي لإيصاله للمستشفى وهو يجيب بلهجة
حازمة :
- سائق سيارة الأجرة ينتظرني .. إني أعرفه ، وأنا أعينه وهو أبو العيال
عندما أنقده الأجرة .. لا جعلك الله سبباً في قطع رزق محتاج ! ! !
حقاً كم هو عظيم هذا الدين وهو يحول هذه الشخصيات إلى أمثلة للفطرة
السليمة والإيمان العميق في عصر القلق والبعد عن الله .
________________________

مجلة البيان
العدد 28

بين جيلين

د . عمر عبد الله

توقف مفاجئ ومرعب أيقظ صاحبنا من نعاسه الثقيل ، ليستيقظ على صوت
الكابح المزعج ، وقاصطدم رأسه في النافذة الجانبية لسيارة الأجرة ، سائق سيارة
الأجرة يتحفز وهو غاضب ، ويلقي بسيل من الشتائم والكلام السوقي القذر لصاحب
السيارة التي كادت تصطدمه ، سائق السيارة الأخرى يخرج ليلقن سائق الأجرة درساً
في القيادة والأخلاق ، لكن سائق سيارة الأجرة يتلافاه ويمضي في طريقه ليكمل
إطلاق عبارات الشتائم والسباب ، التي انتشلت من الراكب وزوجته التي ترافقه طعم
النوم ، والنعاس ، حتى « معاذ » الطفل الصغير أخذ يطلق معزوفة من البكاء
المتواصل ، جعلت من الصعب على « جمال » أن يلتقط سيل الشتائم المنطلق من
في السائق الزنجي المتوتر ، .. لقد كانت رحلة مضنية ، غير خلالها ثلاث مطارات ، وقضى 15 ساعة في الجو خلال اليوم الماضي ، حتى وصل إلى نيويورك في
هذا الصباح الخريفي المتثائب ، وبعد أن طار النوم من عينيه أخذ يتأمل في ما حوله ، إنه يعبر الآن إلى « مانهاتن » ، وكأنه يمر على هذا الجسر المتهالك لأول مرة ،
كلا لقد عبره مرات ومرات ، لكن المرة الأولى التي مر عليه فيها لازالت ملتصقة
بذاكرته بوضوح ، كانت المرة الأولى التي يغادر فيها وطنه مع أبيه وهو ابن خمس
سنين ، لازال يذكر حالة الذهول والانبهار التي انتابته حينما وصل إلى نيويورك ،
كان الوقت قريباً من عيد رأس السنة المسيحية والمدينة غارقة في بحر من الأضواء
والزينات ، زادت من حالة التحديق التي انتابت ذلك الصبي الذي انتقل من مدينته
الصغيرة الصحراوية ، والتي كانت وكأنها تعيش عصراً آخر لا يمت بصلة لهذه
المدينة ، الحلم ، ومنذ أن لامست قدماه أرض المطار الضخم وصالاته الواسعة وهو
لا يستطيع إلا أن يعيش حلم اليقظة الجميل ، حتى الطرق السريعة التي لم يع حقاً
ضخامتها وسرعتها ، كانت بمثابة طائر عملاق يطير بأجنحة متعددة ، أما الفندق
الذي نزل فيه وأبوه وأمه فإنه كان آية في الفخامة والرقي المادي ، الذي بدا خيالياً
لابن الخامسة ، بل حتى بالنسبة لأبيه وأمه اللذين حاولا التكيف مع هذا الكم الهائل
من المشاهد والصور والمتغيرات بصورة بدت مبالغاً فيها حيناً ، ومضحكة أحياناً
أخرى ، مضحكة له الآن .. لكنها لم تكن تعني شيئاً كثيراً من معاني السخرية
والتناقض لذلك الصبي .. ، مضحكة تلك اللحظات والمواقف التي تفرض على
مخلوق لا يملك حيالها سوى المضي والانكسار ، مضحك ذلك المنظر عندما كانت
أمه تحاول أن تظهر بمظهر « غربي » متحضر حينما « فرض » عليها من والده ، كانت المرة الأولى التي تلبس ملابس غربية ، وهي التي لم تفارق عباءتها
وخمارها قط ، مضحك أن يقلد عصفور النورس طاووساً حينما يستعير بعض
الريش الملون ، عله يكون مألوفاً في مجتمع الطواويس ، كذلك بدا له المنظر باعثاً
للحيرة والاضطراب لوجه ألفه لسنوات في وضع معين ليجده فجأة وبدون مقدمات
وكأنه لا يمت للمخلوق الذي أحبه بشدة ، وعشقه بإخلاص ، لم يكن ذلك المنظر
سوى صورة واحدة لمشاهد صدم بها وظلت في ذاكرته مختزنة لسنوات طويلة ،
صوت الكابح يقطع حبل تفكيره مرة أخرى .. لكنه يكتشف سبب الخطأ هذه
المرة .. ، إنه سائق سيارة الأجرة ، وليس السيارة « المظلومة » التي كال لها السائق الزنجي سيلاً من شتائمه العنيفة مرة أخرى ، كاد أن يرد على سائق الأجرة اللامبالي ، لكنه فضل أن يستمر في تداعياته ، لاسيما وأنه لا يملك النشاط ولا الرغبة في الحوار ، لقد ضبطتك سائق الأجرة ، هذه المرة ، قال لنفسه : إن سائق الأجرة ينظر إلى ذلك المنظر العجيب الذي جري في المقعد الخلفي ، وهذا هو السبب في أصوات المكابح المتكررة ، لقد بدت على سائق سيارة الأجرة علامات الدهشة الصامتة ، وصور التساؤل المحير الذي عصف بجمال وهو صبي ، حينما تعرض لمواقف من التناقض ، والحيرة المتتالية ، سائق الأجرة لازال يسترق النظر إلى الراكب ومرافقيه ، وعيناه تكادان تنفجران بالتساؤل الملح الذي لم يترجم إلى كلمات ، بل إلى أخطاء قيادية كادت أن تودي بالمركبة إلى جانب الانحدار الخطر . فجأة نطق السائق :
- من أي بلد أنتم ؟
جانب الحذر الذي انغرس في التعامل مع الآخرين علم جمال أن يكون لطيفاً
بحذر .
- من الشرق الأوسط .
- أين يقع الشرق الأوسط .. أفي إسرائيل ؟
- كم هو عجيب أن تكون صورة العالم مشوهة إلى هذا الحد في ذهن
الأمريكي ، لم يتغير الحال حتى بعد عقدين من معاشرته للقوم ، وبعد أحداث صاغت
حياة كثير منهم ودفعتهم للاهتمام بهذا الجزء من العالم ، رد بصورة نمت عن رغبة
في إنهاء الحوار .
- ليس قريباً منها إنها جزء يبدو أنها منه !
لقد فهم مغزى السؤال ، فمنظر زوجته التي تخمرت ولم يبد من وجهها سوى
العينين كان مبعث السؤال ولا شك .. وتنهد .. تنهد حينما قارن بين وضع أمه قبل
عقدين وهي تحاول أن تبدو « منسجمة » مع المحيط الجديد ، ومنظر زوجته وقد
تميزت بذلك الزي الذي يبعث على التساؤل ، ويصر على الذاتية ، كلا الوضعين
مثير ، ويبعث التساؤل والاستفهام ، لكنهما يمثلان تصوراً لجيلين ، وعهدين ،
وموقفين ، جيل أبيه الذي كان يحاول أن يجد الجواب في « الذوبان » في الآخر ،
المنتصر ، وجيله الذي رأى خسارة الرهان على المشروع المجلوب بوضوح ، رآه
هزائم ، وانكسارات ، وتبعية ، وتسلطاً ، من الآخر المنتصر ، للضعيف المغلوب
على أمره المسحور بلب العدو وطبوله ، وكأنه تداو بسم بدا لذيذاً وشهياً ، مرة
أخرى ، صوت الكابح وتوقف مستمر ، لكن إيذاناً بالوصول إلى الفندق هذه المرة ،
أخذ جمال عائلته الصغيرة وتوجه نحو موظفة الاستقبال ؛ ليسجل المعلومات
الضرورية ، ويأخذ طريقه نحو الغرفة ، ومرة أخرى انتابه شعور آخر يختلف تماماً
عن الشعور الذي أحس أنه يجتاح أباه وأمه وطفلهما ابن الخمس ، فحينما أتوا
نيويورك قبل عشرين عاماً كان كل شيء ساطعاً ، وكل مكان يرونه باهراً ، وكل
لحظة يمرون بها أقرب للحلم ، أما اليوم فإن هذه المدينة لا تثير في نفسه شيئاً من
ذلك ، فلا الشعور بالصدمة الحضارية يغشاه ، ولا الضخامة المادية تثيره ، فليس
هناك أمر مادي يقرب نحو دائرة العجب ، ولا لحظة يراها تثير فيه الانبهار ، لقد
تقلص الحاجز كثيراً بين مدينته الصحراوية ، ومدينة الخرسانة العملاقة التي أخذت
في دخول عصر الشيخوخة ، وتعرض آلامها وأمراضها ، نيويورك تلك لا تمت
بصلة إلى هذه ، لا شعوراً ، ولا واقعاً ، وبالتالي تحجم الدهشة ، والتحديق ،
والانبهار ، والإعجاب ، قد تقلص كثيراً و كثيراً ، ولم يبق لديه في تلك اللحظة
سوى رغبة ملحة لأن ينال قسطاً من الراحة بعد هذه الرحلة المرهقة ، سرعان ما
تحققت حينما ألقى بجسده المنهك على الفراش ليغط في نوم عميق ...
________________________

مجلة البيان
العدد 31

الخروج من تحت الأنقاض

د . عمر عبد الله

سنوات الغربة التى يمر بها ( جمال ) خلال غربته الثانية بدت أقل صعوبة
وأيسر معاشاً مما توقع ، فهو بالرغم من عيشه في هذه البلاد ثلاث سنوات من
سنوات الطفولة إلا أنه تهيب من العيش في بيئة مختلفة ، وحضارة مغايرة . لكن
الأمر كان أسهل وأيسر ، ففي المدينة التى يدرس فيها جالية إسلامية نشطة ، ونشاط
دعوي مميز ، أخذ من وقته ، وعاش في شعوره حتى أصبح المجتمع الصغير عالمه
ومحيطه ، وأصبح إخوة العقيدة الذين لم يربطهم به سوى رابطة الإيمان أشقاء له لم
تلدهم أمه ، إن جعفر ، وعبد الرحمن ، وليث ، وزاد الحق ، ومراد ... وغيرهم
من إخوة الدرب قد أضاءوا سنوات الغربة بذكريات عزيزة ، وأناروا الطريق
الموحش بومضات جد ساطعة ، كان اليوم هو آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة ، وحينما كان جمال يهم بمغادرة الجامعة ، وجد رسالة على صندوق بريده ، كتب
عليها ( ج . برهان يود مقابلتك في مكتبه في قسم المحاسبة ، غرفة رقم 121 ، في
أي وقت بعد الظهر ) حاول أن يتذكر إذا ما كان الاسم المذكور يعني له شيئاً خاصاً ، لكن ذاكرته لم تسعفه ، وحين كان في الوقت متسع فقد قرر أن يزور صاحب الرسالة في هذا الوقت ، وحينما وصل إلى الغرفة المذكورة ، طالعه السكرتير متسائلاً هل من خدمة أقدمها لك ؟ .
- أجاب جمال : اسمي جمال العلي ، وجدت رسالة تطلب مقابلة السيد برهان
بعد الظهيرة .
كانت لهجته الأمريكية التى اكتسبها خلال تواجده المبكر في هذه البلاد تجعل
العديد من الأمريكان يظنون أنه أمريكي من أصل مكسيكي .
- نعم .. إن الدكتور برهان قد طلب مني أن أبلغه بحضورك .. بالرغم من
مشاغله الكثيرة ، يبدو أنك صديق مخلص له .
- لا أدري ، فهذه المرة الأولى التي أقابله .
- على العموم ، هو شخص لطيف ، وهو منذ انتقاله لهذه الجامعة منذ أسابيع
وهو يكسب العديد من الأصدقاء والمعجبين ، إنه انسان رائع .. لحظة من فضلك .
دخل السكرتير الغرفة بينما بقي جمال يحاور نفسه ويحاول أن يتذكر مرة أخرى
لعله يفلح في الاستذكار .. بدون جدوى .
- السيد برهان في انتظارك .
- شكراً .
دخل جمال الغرفة وما إن وقع نظره على السيد جمال حتى أدرك أنه يقابل
وجهاً أليفاً ، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما تعنيه تلك الملامح بالنسبة له ، واستفتحه
بلغة عربية صافية .
- أهلاً بالسيد العلي .. أنا جميل برهان ، أعمل حالياً رئيسا لقسم المحاسبة
في الجامعة ، ربما أنك لا تعرفني ، كان منظره يوحي برؤية إنسان أمريكي تماماً ،
لا يدل على كونه عربياً سوى اسمه ، ولغته العربية المحكية بلهجة فلسطينية .
- حقيقة إن وجهك مألوف بالنسبة لي ، لكني لا أستطيع أن أتذكر أين رأيتك ، ومَن تكون ! .
- حتى بالنسبة لي فأنا أجد صعوبة بالغة في التعرف عليك ، بالرغم من
معرفتي القديمة بك ؟
- بي .. أين .. ومتى ؟ !
ضحك جميل برهان حتى بدت أنيابه .
- منذ زمن طويل ، وطويل جداً ، لكن دعني أعطِكَ إشارة مساعدة ، لقد
عشت وقتاً طويلاً في أن ( آربر ) ، وبالتحديد قبل خمسة عشر عاماً ... فهل
تساعدك هذه الإشارة ؟
- ربما ، فقد عشنا في نفس المكان وأنا طفل ، في نفس الفترة تقريباً .
- حسناً ، أنت في الطريق الصحيح ، وربما أنك لا تذكر صديقاً لوالدك كان
يدرس معه في نفس القسم ، يحمل نفس الاسم ؟
- لا أذكر .
- كنت أتوقع ذلك ، يسرني أن أقول لك إن أباك إبراهيم العلي كان من أعز
أصدقائي ، في تلك الفترة على الأقل ، لقد كان رجلاً ودوداً وكريماً معي ، بالرغم
من عدم اتصالنا ببعض لفترة طويلة .. طويلة جداً .
- لكني لا أزال أذكرك ، وأنت طفل صغير ، حينما كان أبوك يدعوني في
أيام ذلك الصيف في حديقة منزلكم لنتناول الحديث ، ونتناسى الهموم .
- لا أذكر ، فقد كان لأبي الكثير من الأصدقاء ، وكنت في تلك الفترة أعيش
فترة الطفولة باستغراق جميل .
- لقد دهشت حينما رأيتك فبالرغم من معالم الشبه بينك وبين أبيك : فإنك
تبدو مختلفاً في المظهر على الأقل .
- ربما ...
أدرك جمال ما يعنيه الدكتور برهان ، فلحيته المعفاة كانت علامة مميزة في
محيط الجامعة .
- وماذا تدرس الآن في هذه الجامعة ؟
- أحضّر الماجستير في الهندسة النووية .
- جميل .. رائع .. وهل أنت متأقلم في هذه الجامعة والمدينة ؟ .
- نعم .. فالأمور تجري بشكل جيد .
- جميل .. إننى أشعر بلذة في اجترار الماضي ، أليس ممتعاً أن تستعرض
تلك الأيام الحلوة مع شخص عاش ذات الظروف .
- نعم ، خصوصاً إذا كان يحمل نفس الهموم والآلام .
التقط ، د . برهان الحديث ، ورد بلهجة استرجاعية مسترخية .
- نعم ، كم كان جميلاً لو أن إبراهيم كان معنا ، لقد كان - كما قلت ووصفت
- صديقاً رائعاً تقاسمنا الهموم والآلام سوياً ، كانت المرحلة التى نحياها مرحلة
شباب وزخم ، وقد التقينا في صيف عام 1966م ، كنت وأبوك نعيش حالة من
الفرح الكاذب والأمل الواهم ، كانت أمريكا تغرق تدريجياً في وحل فيتنام ، فنرى
في ذلك هزيمة لروح التسلط التى كانت تمارسها هذه البلاد بوقاحة في تلك الأيام ،
وننام ونصحو على شعارات قرب زوال الظلم ، وإلقاء ( إسرائيل ) في البحر ، ولا
تسأل اللاجئ الذي كان يضع رهانه على تلك الدول ولا الشباب المتأثر بالناصرية
كإبراهيم ، والذي رأى فيها حلم شبابه .
- صدقت كان أبي ناصرياً مثالياً ، ألا يكفيك أن اسمي خير دليل على ذلك .
- نعم .. لازلت أتذكر حالة الإحباط والتعاسة التى أحاطتنا في صيف عام
1967م ، حتى أننا كنا نتحاشى أن نذهب للجامعة حيث كان الصهاينة وأصدقاؤهم
الكثيرون يشعروننا بأننا نعيش هزيمة أخرى ، لقد كانت أياماً قاسية ! لكن خبّرني
ما هي أخبار والدك ؟
- إنه بخير ، وهو على وشك التقاعد ، للتفرغ لأعماله .
- وهل لا يزال مثالياً ؟ أعني ناصرياً مخلصاً ؟
- كلا ولكن سأسألك نفس السؤال ؟
- لقد أصبحت أمريكياً .. (يضحك) ، أمريكياً مخلصاً ، خلعت أشياء كثيرة
لكي أصل إلى ما أنا فيه ، تركت المثاليات ، يممت شطر الجانب الأكاديمي ، وها
أنا ذا أحقق معظم أحلامي ..
- وهل لديك أسرة ؟
- نعم لديَّ ابنة تعمل متفرغة في العمل الخيري ، إنها رئيسة نادي الليونز في
المنطقة !
- الليونز .. ؟ ! هل تعرف ما هي المنظمة ، وما أهدافها ؟ !
- كلا .. ، فابنتي تعرف ذلك ، وهى عموماً ( تربية أمريكان ) .. (ويضحك
ضحكة مقتضبة) ، لقد تزوجت أمها الأمريكية ، واتفقنا أن أتفرغ للعمل وتتفرغ هى
لإدارة الأسرة .
- وهل لازلت تحتفظ بهويتك ؟ أعني لغتك ، ودينك .
- لغتي جيدة ، وديني لا يَسُر ، منذ البداية .
- و لماذا ؟ !
- كنت يسارياً في السابق ، قبل أن أهاجر إلى هذه البلاد ، كنت أعيش في
مخيم لاجئين في دمشق ، كان معسكر السلام وشعاراته الشيوعية يشكل تيار أغلب
التعساء هناك .
- ثم ؟
- كفرت بكل الشعارات الكاذبة ، والزعامات المغشوشة ، وآمنت بالحياة على
الطريقة الأمريكية ، الفردية ، تستطيع أن تكون من تريد حينما تكون لا منتمياً ،
إنها عقلية الشركات الكبرى ، حينما تدوس على المبادئ ، سوى مبادئ الشركة
وتتخلى عن أي تحالف ، سوى ما يساعدك على النجاح !
- وهل هذا مبدأ صالح في نظرك ؟
- ما يصلح هو ما يعمل ، وما يعمل - كما أرى - هو ما يصلح .
- قد يبدو هذا الكلام فلسفياً ، لكن الواقع والفلسفة قد يشتبكان . لكن قل لي :
هل أنت مثالي ؟
- إذا كنت تقصد بالمثالية الالتزام بمنهج ، فأنا كذلك .
- وما هو هذا المنهج ؟ . لقد أصبحت بعيداً عن الساحة العربية كما ترى .
- منهج قديم ، جديد ..
- ماذا تعني .. ؟
- أعني الإسلام .
- لقد كنت أظن أنك ستقول لي ذلك ، منذ أن رأيت تلك اللحية الثائرة ، إنها
تشبه لحية كاسترو ، أو الخميني .
- لعل كاسترو وغيفارا والخميني بل حتى ماركس ، هم ما تقدمه الثقافة
الأمريكية للتدليل على الخطر الخارجي ، والربط بينهم حتى لو لم يكن هناك رابط .
- أوافقك في ذلك ، لكن قل لي فلعل معلوماتي خاطئة : هل يعني ذلك أن
( الأصولية ) هي الموجة الآن ؟
- وماذا تعني بالأصولية ؟
- أعني الحَرْفية ، الجامدة ، والتعلق بالنص !
-أعطني مثالاً .. لم أفهم !
- مثلاً بِلِي غراهام ، سويغارت .
- غيرهما .
- لا أتذكر .
- أنت رجل متعلم ، هل تؤمن أن نطبق سياسات أمريكا وأوربا الغربية
وآلياتهما على العالم الثالث ؟ .
- لا يمكن ، أرضيتان مختلفتان ، متباينتان ...
- إذن هل تعرف أن هناك اختلافاً بين ما تطلقه من أمثلة وبين الواقع الذي
تنعته بالأصولية .
- ربما ، لكن الإسلام والمسيحية متقاربان ، عذراً ، هذا من بقايا الخمسينات ، كلاهما أفيون الشعوب ، أو في منطق أمريكا الثمانينات ، الإسلام السياسي أو
الإرهابي يحمل نفس بذور الأصولية التى تريد أن تحكم أمريكا .
- مرة أخرى .. أجد نفسي مضطراً لتذكيرك باختلاف البدايات وحتمية الخطأ
النهائي .
- أعترف بأني قد تغيرت كثيراً .. وأعترف أن الحوار ممتع معك ، تحمل
نفس اللهجة القاطعة والمستيقنة التى كان أبوك يحملها ، ولكن تبدو أكثر عقلانية
حينما كان يبدو أكثر حماساً وعاطفية ، هل نلتقي مرة أخرى ؟ .
أحس جمال أن الدكتور برهان مشغول وأن المقابلة قد انتهت ، فوعده خيراً ،
وأحس بواجب نحو هذا الغريب ، الذي (استنوق ) حتى يصل إلى ما يريد ، والذي
قابل العديد من أمثاله الذين تأمركوا ، وضاعوا وأضاعوا ، أضاعوا جيلاً ثانياً كان
يمكن أن يكون أداة خير فاعلة في هذه الأرض ، وتذكَّر مجموعة من المراهقين من
أبناء المسلمين الذين ولدوا لآباء كهؤلاء ، بعضهم يحترف الدعارة ، وبعضهم
يحترف تجارة المخدرات ، ومجموعة تقود نوادي الليونز ، والروتاري ، وأخرى -
ويا لَحجم المأساة ! ! - يعملون منصرين في كنائس مثل ( وليم علي ) ، ذلك
المنصر الشاب الذي قابله منذ فترة وتلك مأساة أخرى ...
________________________

مجلة البيان
العدد 32

جيل الضياع

د . عمر عبد الله

رجع جمال إلى البيت منهكاً ، كان يوماً طويلاً بدأ بصلاة الفجر وهاهو ينتهي
عند منتصف الليل ... فتح الباب فإذا بزوجة قلقة حائرة مرتبكة .
* جمال , لماذا تأخرت ؟ .. لقد انشغلت عليك …
مقاطعاً : كنت في الجامعة .. أعرف أنني لم أعطك مكالمة هاتفية لأخبرك
بذلك لكن ستعرفين العذر .
* ماذا حدث ؟
- لقد كنت مدعواً لإلقاء محاضرة تعريفية بالإسلام انقلبت إلى معركة
* ولم ؟
- بعد إلقاء المحاضرة أخذ بعض الطلبة المسيحيين استثارتي ولكني رددت
عليهم فما كان منهم إلا أن حاولوا الاعتداء علي .
* لماذا .. ؟
- لا أدري .. لكن الغريب أن وليم علي الذي حدثتك عنه هو الذي كان
يقودهم .
* هذا المرتد ؟
- نعم إنه قائد المجموعة الصليبية في الجامعة التي تسمي نفسها المولودين من
جديد إنه حاقد على كل ما يمت للإسلام بصلة ..
* وهل هناك سبب منطقي لذلك ؟
- نعم فهمت منه أن أباه الذي ولد مسلماً قد أتى إلى هنا قبل أربعين سنة ثم
تعرف على أمه ليثمر هذا الزواج بهذا النتاج النكد ..
* وهل كان أبوه نصرانياً مثله ؟
- كلا كان شيوعياً .. يكره الأديان ويحاربها .. ولم تجد الأم حلاً سوى أن
تنفصل عنه وتأخذ ابنها إلى الكنيسة لترعاه فكراً ومعتقداً … كان أبوه سيئاً سلوكياً
أيضا .
* إذن ؟
- إذن وليم نشأ وهو يكره هذا الأب وصورة الإسلام متمثلة في ذهنه
بسلوكيات بشعة ، وتصرفات مفزعة خصوصاً أن أباه قد قدم دعاوى حضانة للابن
اشترط فيها أن لا يمارس ابنه الصلوات الكنسية لأنه يريده أن يكون بلا دين ...
* فهمت ... مسكين ... إنه يستحق الشفقة !
- نعم إنه حقاً يستحق الشفقة والرحمة لاسيما وأنه مثال للذين ربطوا بسلاسل
في أعناقهم فهي إلى الأذقان ... صم ، بكم ، عمي ، لا يستخدم أدوات الحس سوى
لمحاربة أي شخص أو فكرة تمس المجتمع المسيحي المثالي الذي يتحمس له !
* هل حاورته ... هل ناقشته ؟ .
- تعرفين يا أسماء أن الحوار في منهجنا قضية أمر وواجب ، ليست ترفاً ولا
مراوغة وهي أبعد عن أن تكون تكتيكاً كما يقولون … إنها دعوة حوار قضى
المصطفى -صلى الله عليه وسلم- معظم وقته وهو يحاور أهل مكة ثم مطالباً أهل
الكتاب بالمثل دون جدوى … ، نعم لقد حاورته …كثيراً .
* وماذا كان رد فعله ؟
- تذكرين رد فعل ...
* نعم مسكينة هي الأخرى
- وليم لا يبتعد عنها كثيراً ... إنهما مثال لجيل الضياع والتشرد المنتشر ...
آباءهم حملوا أسماء إسلامية ولافتات تدل على ذلك .. كان آخر ما يفكرون
فيه أمر هذا الدين .. كان اللهاث وراء الرزق والشهادة والفرصة يتم بتصاعد وعلى
إيقاع أمريكي متسارع ومنهك…
- دخل جمال لينال قسطاً من الراحة … ولكنه التفت إلى أسماء قائلاً :
تعرفين أني قابلت برهان اليوم ...
* هاه بشر ... ماذا دار بينكما ؟
- لقد كان حواراً طويلاً وشاقاً ... تعرفين أن الرجل في هذه المرحلة يشعر
بجحيم الجريمة البشعة التي ارتكبها بحق نفسه أولاً ثم ابنته .. لكنه اليوم اعترف لي
بأنه عاجز ... عاجز حتى عن ممارسة الواجبات البسيطة ... خذي مثالاً لقد نسي
كيفية الوضوء ... ، وهيئة الصلاة ... ، آخر مرة صلى فيها عندما كان في الرابعة
عشرة .. مع أنه على استعداد لكي يتعلم من جديد .. ، تصدقين أنه مشتت تماماً بين
القلق الذي يعيشه والذكريات الغائمة لأبويه وهما يودعانه ويقول له أبوه جميل : الله
الله في ربك ... لقد حلت بنا النكبة لذنوبنا ... ، لقد قال لي اليوم أنه قرر أن يسافر
لرؤية أمه ... وأنه لم يتصل بهما منذ ثلاثين سنة ... تصوري .. !
* وأبوه ؟
- سحقته دبابة عسكرية عندما خرج ليتظاهر على خيانة نظام ثوري في ما
يسمى بالنكسة ... ، لقد قتل مع مئات غيره .. ولم يعرف هو ذلك إلا بعد سنوات
عن طريق صديق مشترك ...
* و ماذا عن ابنه - لقد اقتنع أخيراً بأن الماسونية حالة ومؤسسة تخدم اليهود
ولكنه قال لي ان الواقع يضغط عليه فهو كحال المعدم الذي يصيح بمن يلومه بيتي
يبخل لا أنا . إنه يشعر أن عليه أن ينقذ نفسه أولاً .
* وأسرته ؟
- مرحلة لاحقة ... لا يريد أن يفكر فيها الآن .. إنه مشغول بنفسه
* أخباره سارة .. ولا شك ..
________________________

مجلة البيان
العدد 24

السعادة الوهمية

مؤمنة الشلبي

بدأت ظلمة الليل تتبدد وأخذ الفجر طريقه إلى الحياة ، انسحب الليل بسواده
أمام الضياء الذي بدأ يطل على نافذة غرفة (سناء) التي كانت بصحبة خادمتها
(ناتالي) تُعدها ، وتزينها ، وتلقي النظرات الأخيرة على أناقتها قبل أن تخرج
لتستقبل يومها الأول في الجامعة .
ووقفت (سناء) أمام المرآة لتطمئن على أناقتها وأحاسيس مثيرة تنتابها وتملأ
كيانها بالغبطة والسعادة ؛ فهي منذ اليوم ستكون فتاة جامعية لها شأنها .
وفي هذه الأثناء عاودتها ذكرى قدوم (ناتال) - الخادمة الفلبينية الوديعة
المحببة إلى النفوس من جميع أفراد العائلة - بما تقدم كل من إخلاص في الخدمة
وعذوبة في الحديث وتودُّد من الجميع لا نظير له ولا أدل على ذلك مما وجدته
(سناء) عندها من العطف والحنان ، بل والحب الذي افتقدته عند والدتها التي لا تكاد
تنصرف عن زياراتها ومكالماتها مع صديقاتها ، موكلة مهمة العناية بالبيت والأطفال
لخادمتها ، بل طالما انصرفت الأم عنها وهي في شدة المرض لتمرضها (ناتالي)
وتهتم بها !
صحت (سناء) من شرود أفكارها على يد (ناتالي) الناعمة تُميل برأسها نحوها
وتضمها إلى صدرها ، وتقبّلها قائلة : حسناً يا سناء ، إنك بهذا الجمال وهذه الأناقة
تستحقين أن تكوني (الأستاذة سناء) !
وابتسمت (سناء) وهي تتابع كلام (ناتالي) بتعطش شديد فقد ضربت وتراً
حساساً لديها ، فهي منذ الصغر تتلهف لليوم الذي تكون فيه أستاذة المستقبل يتحدث
الجميع باسمها .
وفي البهو الجامعي كانت المفاجأة السارة حيث التقت (سناء) مع صديقة
الطفولة وزميلة الدراسة (أمل) ، كان اللقاء حاراً استهلته (أمل) بإبداء الابتهاج
لنجاح سناء ودخولها الجامعة ، واتبعت ذلك بالسؤال عما كانت تعانيه (سناء) من
صداع بين الحين والآخر .
فأجابتها (سناء) على الفور : الفضل كل الفضل في نجاحي يعود إلى خادمتنا
(ناتالي) التي سهرت على راحتي ، وآنستني أثناء دراستي ، وجلبت لي كل ما
يساعد على مواصلة السهر حتى الصداع الذي كنت أعانيه من جراء ذلك كان يزول
بأقراص السعادة العجيبة التي تقدمها لي !
وما زالت (سناء) تحدث (أمل) عن (ناتالي) بإعجاب وتصف شدة حبها
وتعلقها بها ، و (أمل) لا تزيد أن ترد بابتسامة مجاملة لها ، وقد اضطرم القلق في
عروقها .. إلى أن قطع الحديث بينهما بداية المحاضرة الأولى ؛ فانسلت كل منهما
إلى قاعتها .
وتوالت اللقاءات بين (سناء) و (أمل) بتوالي الأيام ، وفي كل مرة كان الشك
والقلق يزداد عند (أمل) .. إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان حين دخلت (أمل)
كافتريا الجامعة في أحد الأيام ، وإذا بصديقتها (سناء) وقد استندت إلى أحد الكراسي ، وقد بدا الشحوب على وجهها ، وأمسكت برأسها تضغطه بكفيها وكأنها تريد أن
تستخرج منه شيئاً ما .
أسرعت إليها (أمل) تستوضح حقيقة الأمر ؛ لتقوم ببعض الواجب تجاه
صديقتها وخاصة في مثل هذا الموقف وفوجئت بسناء تقول لها وببرود قاتل : لا
عليك يا عزيزتي ؛ فالأمر لا يحتاج إلى اهتمام كبير فلقد اعتدت هذا ، وما عليك إلا
مساعدتي للوصول إلى المنزل ، وهناك تدبر أمري (ناتالي) بحبوب السعادة التي
تقضي على كل الآلام ، وتعيد لي نشاطي وقوتي !
ولمعت الدهشة في عيني (أمل) ، وبدأ الشك الذي تسرب إلى نفسها يتحول
إلى يقين .. ولكن لم يكن بإمكانها في مثل هذا الموقف إلا الإسراع لتلبية طلب
(سناء) ، فاتصلت بوالد (سناء) في عمله والذي حضر لتوّه دون أن يظهر عليه أي
تأثر بالغ ، فقد اعتاد هو الآخر على مثل هذه المواقف .
وفي المساء كانت (أمل) في بيت (سناء) لتطمئن عن صحتها ولم تتمالك نفسها
من إظهار الدهشة والإعجاب وهي ترى صديقتها بكامل صحتها ونشاطها ، وقد تألق
وجهها بفيض من ملامح السرور والسعادة ، واندفعت نحو (أمل) تضمها إليها وهي
تردد - والضحكات لا تفارق ثغرها - : ألم أقل لك يا عزيزتي بأن الفضل كل
الفضل يعود إلى الفتاة العظيمة (ناتالي) ، فما إن أوصلني والدي إلى المنزل وعاد
إلى عمله حتى احتضنتني (ناتالي) بعطفها وحنانها ، وما إن ناولتني الأقراص
سرعان ما زال ألم الصداع ، وعشت في عالم من السعادة ، ودب النشاط في جسمي ، وذهب أثر الشحوب عن وجهي وبدأ يتألق بالجمال كما تقول (ناتالي) ، وقهقهت
بخبث وهي تردف قائلة :
هل تصدقين يا أمل بأن (ناتالي) مقتنعة جداً بجمالي ، فهي لا تفتأ تبدي
إعجابها وتردد على مسامعي : جمالك بارع جداً يا سناء ولكنك تشوهينه بهذا
الحجاب اللعين ! ، سمعتها وهي تشتم أن يكون مولدي في هذا المكان ، وأنه لمن
الظلم أن أظهر للمجتمع بلبوس العجائز ! ، واتبعت ذلك بضحكة عريضة وهي
تقول : ألا توافقين على ذلك يا أمل ؟ !
كانت (سناء) مسترسلة بحديثها المحبب إلى نفسها ولم تكن تدري ما يجول في
خواطر (أمل) التي تمالكت أعصابها وقالت : ثم ماذا ؟ ! تابعي حديثك يا سناء .
فقالت سناء : أجل لقد نسيت أن أخبرك بأن (ناتالي) كثيراً ما كانت تؤكد لي
بأنها مستعدة لجلب تلك الحبوب لكل مَن أحبها وأثق بها من زميلاتي ، وبأسعار
معقولة ، بل إنها ستقدمها بدون مقابل للمرة الأولى فقط ! ، فما رأيك يا (أمل)
بتجريب تلك الأقراص ؛ فإنها ستكون عوناً لك على مواصلة السهر أثناء الدراسة
الجامعية ، وإشعارك بنوع من السعادة الخفية العجيبة ؟ !
وفي تلك اللحظات كان الانفعال قد بلغ ذروته عند (أمل) ، وارتسمت على
وجهها ظلال من الخوف الممزوج بالغضب ، وجمدت كلمات مخنوقة في حلقها ،
ومرت برهة صمت غمر فيها (أمل) شعور مَن يرى عزيزاً عليه يغرق في مياه
آسنة ، ثم اندفعت الكلمات من حلقها - وهي تزمجر كالأسد الهائج - : لا .. لا ..
لن أسح لتلك الشيطانة اللعوب أن تؤدي بك إلى الجحيم .. تنبهي يا (سناء) إن هذه
المجرمة تناولك السم بيدها ، وثقي بأنها هي مصدر ما تعانيه من آلام الصداع ،
والإرهاق ، ولن يكون مصيرك معها سوى الموت أو الضياع ! ، أو .. ، فقاطعتها
سناء ذاهلة - وهي تجاهد أن تملك نفسها من فرط العجب والدهشة لغضب (أمل)
المفاجئ - : ماذا جرى لك (يا أمل) ؟ ! .. وما هذا الذي تقولين ؟ ! ؛ فأنا لا أسمح
لك أن تصفي (ناتالي) العظيمة الحبيبة بهذه الصفات ! .
وأجابتها (أمل) باستنكار شديد : بل الغريب منك يا (سناء) - كيف لا تسمحين
لي أن أصف تلك المرأة الوثنية بالحقيقة ؟ ! .. والأغرب من هذا أن تدافعي عن
العدوة الحاقدة ، وتسمحي لها أن تصف دينك زوراً وبهتاناً بتلك الصفات القذرة ،
وأن تهدر قيمة حجابك بكلمات خبيثة براقة ، وتعترض على مولدك في المكان الذي
شرَّفه الله من فوق سبع سموات ...
أجل .. يا سناء لقد نسيتِ تحت تأثير الوهم القاتل (حبوب السعادة) - أن كل
ذلك هو مصدر عزتك وكرامتك بل ومصدر إنسانيتك الحقة التي تحميك ألم الذل
والمهانة والضياع ، ومن ثم التردي والوقوع بين مخالب الذئاب المفترسين الذين
يريدون منك ومن كل مسلمة أن تكون بين أياديهم الظالمة الآثمة باسم الشعارات
المزيفة الجذابة ...
وفي هذه الأثناء بدت (سناء) متهالكة وقد فغرت فاها ، وأمسكت برأسها ،
وصرخت بأعلى صوتها : رأسي .. رأسي .. أين أنت يا (ناتالي) وبسرعة عجيبة - وهي تسدد إلى (أمل) نظرات حاقدة مشوبة بشيء من الحذر ؛ فقد كانت خلف
الباب تسمع كل ما دار من حديث .. وضمت (سناء) إلى صدرها ، ومسحت على
شعرها تحاول تهدئتها وقالت : لا بأس عليك يا حبيبتي ؛ فكل شيء على ما يرام ،
وما هي إلا لحظات وتستعيدي نشاطك وسعادتك ! .
وهنا ارتفع رأس (سناء) مع ارتفاع حاد في صوتها وهي تخاطب (ناتالي)
بانزعاج بالغ : أخرجي هذه الفتاة من بيتنا .. لقد أثارتني وأحرقت أعصابي ..
أخرجيها .. أخرجيها .. لا أحب أن أراها ..
وأقبلت أم سناء مسرعة تستوضح سبب الضجة الغريبة في غرفة ابنتها ،
وفوجئت بأعز صديقات ابنتها وهي تردد : .. أجل سأخرج من منزلكم الآن
مطرودة بسبب هذه الخادمة الشيطانة الماكرة ، ولكن تأكدي بأني سأعود لزيارتكم
يوماً ما - إن شاء الله - معززة مكرمة .
وحاولت أم سناء أن تمسك بأمل لتعرف حقيقة الأمر ، ولكن (أمل) انسلت
مسرعة ، وقد عقدت العزم على القيام بالواجب الملقى على عاتقها تجاه أمتها ،
ولإنقاذ هذه الأسرة المسكينة من براثن شر محدق لا يعلم مداه إلا الله .
ولم يمضِ وقت طويل على طرد (أمل) من منزل (سناء) حتى فوجى الأبوان - والد سناء ووالدتها - بالحادث الجلل الذي زلزل كيانهما ، وأقضَّ مضجعهما ،
ودمر ثقتهما بكل شيء ، وهما لا يكادان يصدقان ما يجري في بيتهما من هول
الصدمة العنيفة ، ولكنهما مجبران على التصديق .
فهذه ابنتهما الحبيبة (سناء) تُنقل إلى مستشفى الأمل للعلاج من أثر الإدمان
الخطير على الحبوب المخدرة التي كانت تجلبها لها (ناتالي) !
وهذه (ناتالي) - وقد حاولت أن تستنجد بدموعها أمام رجال المكافحة - علَّها
تقيها هذا الموقف الخطير ، وتعفيها من الكلام ، ولكن الأمور لم تكن لتسمح بذلك ؛
فالجريمة فوق مستوى الرحمة والعطف ولابد من الاعتراف .
وفي مركز مكافحة المخدرات اعترفت الخادمة (ناتالي) بجريمتها التي كانت
تنفذها بمساعدة العديد من بنات جلدتها من المربيات والخدم الذين قدموا إلى ديار
الإسلام بخطة مدروسة لتدمير أبناء الإسلام .
وشعرت الخادمة (ناتالي) بقلبها يتحطم تحت وطأة المفاجأة ؛ \ فقد رأت كيدها
يرُد إلى نحرها ، وتتحطم كل الآمال التي بنتها أما (سناء) الراقدة في المستشفى
تحت العناية المركزة ؛ فقد انقشعت سحابة الوهم من أمام عينيها ، وأضاءت شمس
الهداية في قلبها ، واهتز وجدانها وهي تشاهد صديقتها (أمل) بجوار سريرها ،
فغطت وجهها بكفيها لتخفي ما ترقرق من الدمع في عينيها وهي تقول : سامحيني يا
(أمل) فقد ظلمتك وأخطأت في حقك كثيراً .
وتهلل وجه (أمل) بفيض من البِشر والسعادة ، وقد لمست صدق الحديث من
صديقتها (سناء) فاقتربت منها وضمتها إلى صدرها وهي تردد على مسامعها كلمات
السماح والحب الصادق .
وتعاقبت الأيام ، وتماثلت (سناء) للشفاء الحقيقي التام ، وزالت عنها كل
أعراض مرض الإدمان ، كالصداع ، والإنهاك .. و .. وسمح لها بمغادرة المستشفى
لتملأ الدار بشراً ومرحاً ، ولتتمتع برعاية أبويها اللذين اقتنعا بالخطأ الفادح باستقدام
الخادمة من بلاد الكفر والإلحاد ، وشعرا بأن مهمة الأم الأساسية هي القيام بحقوق
الزوجية ، والإشراف المباشر على تربية فلذات الأكباد لبناء جيل مسلم رشيد يعتز
بدينه وأمته .
وكانت (أمل) من أوائل الزوار لسناء في بيتها وقد حملت معها مجموعة من
الكتب والقصص الإسلامية ، بديلاً عن الهدايا التي تقدم عادة كالورود والحلوى في
مثل هذه المناسبات .
وشكرت (سناء) صديقتها (أمل) لوقوفها إلى جانبها في محنتها ، وناشدتها
قائلة - بأدب جم - : أرجوك يا (أمل) أن تقبليني أختا لكِ في الله ، فلا تبخلي عليَّ بوقت ولا نصيحة عسى أن يوفقني الله وإياك لطاعته والذود عن حرماته .
وأشرق وجه (أمل) بصفاء عميق وهي تقول : أهلاً ومرحباً بكِ أختاً في الله ،
وما عليك - يا أختاه - إلا أن تشحذي همتك ؛ فالغاية مشرقة نيِّرة والسبيل إليها
هدْيه - صلى الله عليه وسلم - : » قل آمنت بالله ثم استقم « .
وبينما هما تتضاحكان وتتبادلان ذكريات الماضي .. إذ بصوت المذياع يعلن
عن إذاعة بيان صادر عن محكمة القضاء الأعلى .
وساد الصمت برهة جو الغرفة ومرت لحظات والفتاتان تصغيان بانتباه شديد ، وما أن أُعلنت أسماء أفراد العصابة التي صدر بحقها الحكم الشرعي جزاءً على ما
اقترفته أيديهم من تهريب للمخدرات ونشر للفساد حتى فغرت الفتاتان فاهما ، ونطقتا
بصوت واحد : ناتالي - الحمد لك يا رب .. لقد صدق قول الله فيها وفي أمثالها :
] كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً واللَّهُ لا يُحِبُّ
المُفْسِدِينَ [ [المائدة : 64] .
________________________

مجلة البيان
العدد 36
الفرار إلى الله

أمين فايز


أخبرني صديق أن شاباً اسمه خالد يسأل عني ، فكرت ملياً ، من يكون خالد
هذا ؟ أهو ذاك الشاب السوري الذي قابلته في الجامعة منذ أكثر من ثلاث سنوات ؟
نعم كان اسمه خالد ، ولكن ما أحببته قط ، كان لا يعرف ربه لا في صلاته ولا
صيامه ، ولا أزال أذكره طويلاً ، أشقر البشرة ، تلمح في وجهه علامات الكبر ،
فخوراً بعضلاته المفتولة ، مخلصاً في تقليد الأمريكيين .
مرت هذه الذكريات سريعة في خاطري وأنا أدلف إلى المنزل عندما فوجئت
بذاك الشاب خالد ، ولكنه الذي عرفت ، ما هذه اللحية العظيمة ، أين شعره الطويل ، و (الشورت الأمريكي) ، لم أصدق ما أرى ، قام إليَّ وعانقني عناق المحب الذي
يبحث عني من سنين ، سألته عن أحواله ورغباته ، فبادرني بلهجة جازمة وقال :
أريد أن أرحل عن هذا البلد ، قررت الذهاب لأفغانستان ، الحياة هنا بين الكفار لا
تطاق .
فهمت ما حدث ، إنها الصحوة الإسلامية ، لا تزال تجذب لها من هنا وهناك
شباباً هداهم الله وأعادهم إلى الصراط المستقيم ، بعد ضياع أحمق ، ونوم عميق .
أما قصة التزامه بدينه الحنيف فهي غريبة عجيبة ، لقد تعرف على شاب
أمريكي مسلم ، وراح هذا الأمريكي يحدثه عن الإسلام ويدعوه للرجوع إلى الله ،
وإذا بخالد ينتفض ويفيء من غفلته ويقول لنفسه : أأمريكي لم يمض على إسلامه
سنوات قليلة يدعوني إلى التوبة ، وقد كان الأحرى بي أن أدعوه للإسلام ، إنه قدر
الله أن يكون هذا الأمريكي سبباً في هداية خالد ، لقد نفض عن قلبه غبار الغفلة ،
وبدأ حياة جديدة أراد فيها إرضاء الله ، لقد تغيرت حياته بشكل جذري وطلق زوجته
اللاهية العابثة ، التي بدأت تصفه بالجنون ، وأبدله الله خيراً منها ، وقرر أن يعيش
حياة إسلامية في هذه المدينة (سانتياغو) ، ولكن أنى له هذا في تلك البلاد ، والفتن
فيها كقطع الليل المظلم ، كيف يعيش هنا والمعاصي ترتكب أمام أعيننا ، قال لي :
ماذا أفعل يا بني عندما تكبر في هذا المجتمع ، لا بد أن أخرج إلى أفغانستان لقد
سمعت عن فضائل الجهاد في سبيل الله وقررت الخروج لأرض الجهاد .
سبحان الله كيف تتغير الأيام وتتغير الأهداف إنه الفرار إلى الله .
________________________

مجلة البيان
العدد 37
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تااااابع قصص مجلة البيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الساحات الاردنيه :: الساحات الادبيه :: اقلام ادبيه-
انتقل الى: